• الإثنين 21 أكتوبر 2019
  • بتوقيت مصر07:31 م
بحث متقدم

المفاهيم الإسلامية في قصيدة وقفة على طلل لمحمود غنيم

مقالات

محمود غنيم  ( 1902 – 1972م) شاعر مصري معاصر ، وهو واحد من شعراء مدرسة الإحياء التي ظهرت في أوائل العصر الحديث، والتزم شعراؤها بنظم الشعر العربي على النهج الذي كان عليه في عصور ازدهاره ، محاولين بعثَ الحياة فيه بعدما أصابه من ضعف وركاكة في العصور المتأخرة . ويُعد البارودي هو رائد تلك المدرسة ، ثم تبعه شوقي وحافظ وأحمد محرم وعلي الجارم وغيرهم .
وقد كان محمود غنيم ذا ثقافة إسلامية وعربية أصيلة : فقد تخرج في مدرسة دار العلوم ،ودرس قبل الالتحاق بها في المعاهد الأزهرية ومدرسة القضاء الشرعي . ويتميز شعره بصدق العاطفة ،وقوة الأسلوب ،وسلاسة العبارة ،ووضوح الفكرة ،وحسن انتقاء الألفاظ .
وقصيدة : "وقفة على طلل " هي من عيون شعره رحمه الله ، والفكرة الأساسية فيها هي الحديث عن الواقع المرير الذي تعيشه الأمة العربية والإسلامية ، ومحاولة استنهاض الهمم من أجل السعي لتغيير هذا الواقع والعودة لما كانت عليه الأمة من القوة والمجد .
وقد نُشرت هذه القصيدة أولَّ ما نشرت في مجلة الرسالة التي كان يصدرها الأستاذ أحمد حسن الزيات (عدد 93 الصادر في 12 محرم 1354هـ - الموافق 15 أبريل 1935 ). وقد كان من عادة الزيات رحمه الله أن يصدر في مستهل كل عام هجري عدداً ممتازاً من الرسالة يستكتب فيها كبار الأدباء والشعراء وطائفة من العلماء فيتبارون في الحديث عن الهجرة خاصةً والقضايا الإسلامية عامةً ، وفي العدد المشار إليه نجد مقالاتٍ لعلي الطنطاوي وأمين الخولي ومصطفى صادق الرافعي وطه حسين وتوفيق الحكيم وسعيد العريان والمازني وغيرهم . وبه عدة قصائد شعرية منها قصيدتنا هذه .وفي عام 1947  أصدر الشاعر ديوانه الأول "صرخة في واد " متضمناً هذه القصيدة مع غيرها من القصائد .  
وأذكر أن بداية اهتمامي بتلك القصيدة كانت منذ حوالي خمسة عشر عاماً ، حين كنت أقيم في بلاد الغرب ، وكان من عادتنا- نحن أبناء الجالية العربية في المدينة التي كنت بها – أن نعقد بين الحين والآخر ندوات دينية وأدبية ، ربما تخللها إلقاء قصائد شعرية وشيء من الأناشيد الدينية .
وذات مرة أنشدنا أحد إخواننا الشوام بصوت جميل مؤثر أبياتاً من الشعر الرصين أذكر منها   :
يا من رأى عُمَراً تكسوه بردتُه   ***   والـــزيــتُ أُدْمٌ لـــــه والــكــوخُ مــــأواه
يـهـتـز كــسـرى عـلـى كـرسـيه فَـَرقـاً *** مـــن بــأسـه ومـلـوكُ الــرومِ تـخـشاه
فسألته عن قائل هذا الشعر ، فقال إنه لا يدري ، ولكنه سمعه في شريط (كاسيت) ،عليه ابتهالات للشيخ سيد النقشبندي ، وأحضر لي الشريط فوجدت مكتوباً عليه : "قصيدة وقفة على طلل " لمحمود غنيم ، فتذكرت أني كنت قد قرأت أبياتاً من تلك القصيدة من قبل ، فبدأت أبحث عنها عبر محركات البحث في شبكة الإنترنت ، فوجدتها كاملة في بعض المواقع العربية ، فسررت بذلك كثيراً ، ثم ازددتُ سروراً حين وقع بيدي مؤخراً عدد مجلة الرسالة الذي نشرت به تلك القصيدة ،وهو كما أسلفنا عدد 12محرم 1354هـ ، فأحببت أن أكتب تعليقاً يسيراً حول بعض أبيات هذه القصيدة ،وما تتضمنه من عاطفة إسلامية جياشة ،وغيرة صادقة على أمة العرب والمسلمين ،فأقول وبالله التوفيق :
1-تبدأ القصيدة بمثل ما اعتاده شعراؤنا الأقدمون من استهلال قصائدهم بالغزل ،وما يلقاه المحبون من مشقة وألم ، فنراه يتحدث عن سهده وأرقه ،وأنه يبقى طول ليله متأوهاً محزوناً فيقول :
مالي وللنجم يرعاني وأرعاه ***  أمسى كلانا يعافُ الغمضَ جفـناه
لي فيك يا ليل آهاتٌ أرددها   ***     أَوَّاهُ لو أجْدَت المحزونَ أَواهُ
2-لكنه يسارع فينفي أن يكون سبب سهده أنه عاشقٌ صبٌ يشكو فراقَ محبوبه ، وإنما كان سبب حزنه وهمه أنه تذكر الواقع المؤلم لأمة العرب والمسلمين ، وكيف ذهبت عزتها وضاع مجدها التليد :
لا تحسبنِّي محُباً أشتكي وصَباً *** أَهْوِنْ بما في سبيل الحُبِّ ألقاه
إني تذكرتُ والذكرى مؤَرِّقةٌ   ***  مجدًا تليدًا بأيدينا أضعناه
أنَّى اتجهت إلى الإسلام في بلدٍ*** تجدْه كالطير مقصوصاً جناحاه
ويْحَ العروبة كان الكون مسرحَها*** فأصبحت تتوارى في زواياه
3- ثم يتحدث الشاعر عن مظاهر الحضارة الإسلامية العظيمة، وكيف ساد المسلمون الدنيا بالحق والعدل ، وكيف كان نظام حكمهم قائماً على الشورى :
وكيف ساس رعاةُ الإبل مملكةً *** ما ساسها قيصرُ من قبلُ أو شاه
وكيف كان لهم علمٌ وفلسفةٌ *** وكيف كانت لهم سُفْن وأمواه
سنَّوا المساواةَ لا عُرْبٌ ولا عجمُ  *** ما لامرئ شرفٌ إلا بتقواه
وقررتْ مبدأَ الشورى حكومتُهم  ***  فليس للفرد فيها ما تمناه
4-وهو يتحسر على سقوط الخلافة العثمانية ويتعجب من كون الأتراك هم الذين قوضوا أركان تلك الخلافة بعد أن كانت بأيديهم :
عهد الخلافة في البُسفُورِ قد دَرَسَتْ *** آثاره طيَّبَ الرحمن مثواه
عرشٌ عتيدٌ على الأتراك نعرضه ***   ما بالنا نجد الأتراكَ تأباه
5-كما يبين أن نظام الخلافة لا عيب فيه .إنما قد يكون العيب في بعض من كانوا يقومون على أمر الخلافة ،فربما شوهوا صورتها بأفعالهم التي يأباها الإسلام ، وذلك كمن يمسك بالسيف ولا يستطيع أن يضرب به لضعف فيه ،فلا يكون العيب في السيف ،وإنما في اليد التي تحمله : 
ما للخلافةِ ذنبٌ عند شانئها *** قد يظلمُ السيف َمَن خانته كفاه
6-وهو يرى أن الإسلام ليس مجرد مناسك وشعائر تعبدية ،وإنما هو جامعة تجمع الشرق كله تحت راية القرآن وسنة خير الأنام :
إني لأعتبرُ الإسلام جامعةً *** للشرق لا محضَ دين سنَّهُ اللهُ
أرواحنا تتلاقى فيه خافقةً *** كالنحل إذْ يتلاقى في خلاياه
دستوره الوحي والمختارُ عاهلُه***والمسلمون-وإن شتوا- رعاياه
وفي هذا كله فهم صحيح لطبيعة ديننا الحنيف ومعرفة حسنة به ، ولعل ذلك من آثار ثقافته العربية الإسلامية التي سبقت الإشارة إليها .
7-ومما تجدر ملاحظته أن الشاعر لا يجد فرقاً بين انتساب المسلم العربي لدينه وانتمائه للأمة العربية ، فالأمران عنده وجهان لعملة واحدة ، فالعرب هم مادة الإسلام ، ولولا الإسلام ما قامت لأمة العرب قائمة ، ولذا فهو يعتبر الحديث عن الإسلام والحديث عن العروبة حديثاً واحداً .
هي العروبةُ لفظٌ إن نطقت به *** فالشرقُ والضادُ والإسلامُ معناه
وهو بهذا الفهم يفارق كثيراً من دعاة القومية العربية ،وبخاصة الذين ظهروا في بلاد الشام ،والذين كانت فكرة التجمع على أساس القومية عندهم بديلاً عن فكرة التجمع على أساس العقيدة الإسلامية ، كأصحاب حزب البعث ،الذين قال قائلهم :
آمنت بالبعث رباً لا شريك له *  وبالعروبة ديناً ما له ثاني
أو كما قال رشيد الخوري:
هبونيَ عيداً يجعل العُربَ أمـةً *** وسيروا بجثماني على دين بَرهمِ
سلامٌ على كفر يوحد بيننا   ***   وأهلاً وسهلاً بعده بجهنمِ
ومن الحق أن نذكر أن هذا الفهم الذي فهمه محمود غنيم كان يتبنى قريباً منه بعضُ دعاة الوحدة العربية في بلادنا .فإني لأذكر أني قرأت في مذكرات أكرم الحوراني ( أحد قادة حزب البعث السوري) أنه -في أثناء التحضير للوحدة المصرية السورية التي تمت سنة 1958م -التقى أحد قادة ثورة يوليو ،وهو  كمال الدين حسين .وأنه فوجئ به ينتقد بشدة فكرة القومية العربية ويعتبرها مخالفة للإسلام، وتعجب الحوراني من أن يكون هذ رأيَ رجلٍ جاء ليشارك في مباحثات الوحدة .وفي ظني أن انتقاد كمال الدين حسين للقومية العربية لم يكن موجهاً لفكرة العروبة والوحدة العربية، وإنما كان نقداً لفكرة القومية العربية باعتبارها بديلاً عن الإسلام بالصورة التي أشرنا إليها قبل قليل. ويدل على ذلك مواقف أخرى له تدل على قربه من المنهج الإسلامي ، منها ما ذكره عبد اللطيف البغدادي في مذكراته من أن كمال الدين حسين قال لعبد الناصر ذات مرة : إن اشتراكيتنا يجب أن تنبع من ديننا ،وليس من نظريات ماركس ولينين ، وغير ذلك من المواقف .
8-وأخيراً نختم بما ختم الشاعر به قصيدته حيث دعا ربه قائلاً :
لاهُمَّ قد أصبحت أهواؤنا شيعاً *** فامنن علينا براعٍ أنت ترضاه
راعٍ يُعيد إلى الإسلام سيرتَه     *** يرعى بنيه وعينُ الله ترعاه
وبعد : فليست هذه الكلمات من قبيل النقد الأدبي ، كما أنها ليست تقويماً شاملاً لشعر محمود غنيم ، فلست أملك ما يؤهلني لذلك ، وإنما هي خواطر أحببت إثباتها حول عمل أدبي ،رأيت أن فيه ما يمكن توجيهه لخدمة دين الله تعالى والدعوة إليه .والله المستعان
عضو رابطة علماء المسلمين

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

ما هي توقعاتك بشأن أزمة سد النهضة؟

  • فجر

    04:44 ص
  • فجر

    04:43

  • شروق

    06:07

  • ظهر

    11:45

  • عصر

    14:56

  • مغرب

    17:22

  • عشاء

    18:52

من الى