• الخميس 18 يوليه 2019
  • بتوقيت مصر01:22 ص
بحث متقدم

هل غابت(المرحمة) بين المصريين؟

مقالات

حكى لى صديق انه استقل القطار عائدا إلى عمله بعد انتهاء أجازه العيد..ولأنه متقدم في السن فقد حجز لنفسه مقعدا فرديا وثيرا بالدرجة الأولى المكيفة,, وبدأ في قراءة كتاب ,,وفى أول محطة وقف بها القطار صعد زوجان شابان يحمل كل منهما طفلا لا يزيد عمرة عن عامين وفى أرجلهما طفل ثالث,, وظلا واقفين في الممر إذ لم يتمكنا من حجز مقاعد لهما لأى سبب من الأسباب والأيام عودة من أجازات وعيد.. يقول صديقى العجوز أنه تصور أن أحد الركاب سيرى المشهد  وسيهب هبا هبوبا,, مبادرا فورا بالوقوف لتجلس الأم وأطفالها وليتحمل الزوج الرحلة واقفا فهو على أى حال لازال شابا.. لكن ما تمناه صديقى لم يحدث قط ..فما كان منه إلا أن طوى صفحات كتابه الذى بين يديه وقام لتجلس الأم وأطفالها .

أنت أمام مشهد لا تخطئ العين دلالته في معانى الرحمة والمرحمة والتراحم والمشهد يحدث أمام فئة راقيه من الناس(الدرجة الأولى المكيفة) ظهر بينهم من يستحق هذه المرحمة..لكن أحدا لم تتحرك جوانحه شفقة واسترحاما وفضل كل منهم أن يستمتع برحلته في هدوء قائلا الجملة البهيمة العقيمة(وأنا مالى) ,,            

هؤلاء الناس لازالوا في رحاب شهرالرحمة وبالكاد خرجوا منه وترك في نفوسهم من أثر ما ترك..هؤلاء الناس هم بأعينهم الذين كانوا يتنافسون في إخراج (كرتونه رمضان)بحكم طبقتهم الاجتماعية ووسيلة سفرهم ,, هؤلاء الناس هم الذين كانوا يطوفون على المساجد في الليالى الوترية في العشر الأواخر،،هم..هم بعينهم الذين كانوا يقرأون القرآن طوال الشهر وربما منهم من بدأ في صيام الستة أيام من شوال!! ما الذى حدث إذن وجعل قلوبهم كجلمود صخر حطه السيل في صدورهم؟.

هنا فقط تذكرت جملة العلامة الكبير د/عبد الوهاب المسيرى عن(التدين بلا أعباء) أى التدين الخالى من المشقة.. اذ ما معنى أن ترى أما تحمل طفلا وتقف لمدة ساعة أو ساعتين في مشقة السفر ولاتقوم من مقعدك  لتجلس هى و أطفالها؟ ولا يتحرك فيك أي ساكن منفعلا بالآية الكريمة(وافعلوا الخير لعلكم ترحمون )أو الآية الكريمة(..ثم كان من الذين امنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة ,أولئك أصحاب الميمنة ) فعل الخير والمرحمة هنا به عبأ وتعب ومشقة ولا حاجة لى به!؟ .

د/عبد الوهاب يقول :أن أصل الإيمان بالله يعني الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وان لم تكن كذلك يكون التدين مجرد بحث عن الراحة النفسية والتوازن الروحي دون أي (التزامات أخلاقية) ويكون الهدف الأساسي للتجربة الدينية في هذه الحالة هو(الخلاص الشخصي) وحسب دون الاكتراث بالآخرين ..

ويقول أيضا ومن هنا يتم التركيز على الحياة البرزخية وعذاب القبر وحساب موعد قيامة الساعة ورحلة الانتقال من هنا إلى هناك والاهتمام بشعائر الانتقال وتراكم الحسنات وتقدير قيمتها وحسابها!! في نهاية الأمر يصبح الفرد المتدين أكثر أهمية من الدين وجماعة المؤمنين نفسها!!  وتصبح طريقة الوضوء(التي تضمن الخلاص الشخصي) أكثر أهمية من معرفة أسباب السعار الاستهلاكي مثلا في الوطن العربي (الذي يهدد الأمة بأسرها) أو أسباب انتشار الجريمة و تزايد معدلات الطلاق في المجتمع وتكرار حدوث العنف العائلي والأسري الى أن تتصاعد معدلات الفصام والفصل ويصبح التدين مصدرا للهدوء النفسي والسعادة الداخلية الفردية..ثم تتعمق الذاتية فتنفصل السعادة الداخلية(كهدف)عن الخالق سبحانه وتعالى ويصبح البحث عن اللذة هو المطلق وليعاذ بالله.

العلامة /على عزت بيجوفيتش يحدثنا عن أنه في الإسلام(الأعمال الاجتماعية) مقدمة على(الأعمال الروحية) فنجد أن اللغو في الأيمان(اليمين) كفارته إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة فإن لم يجد فالبديل هو الصيام .. هكذا ,, قل أمنت بالله ثم استقم  والمعنى كم يقول (آمن ..وأفعل خيرا..)..يلفتنا أيضا العلامة بيجوفيتش إلى أن الأخلاق بالمعنى العام للكلمة ليست مربحة ومن الممكن تصور مواقف كثيرة يكون الظلم والكذب فيها هو المفيد ..وأن الأخلاق لا يمكن أن تخضع لمعايير(المنفعة) ويقول مبتسما :لو كانت الفضيلة مربحة لسعى الانتهازيون الى اقتحامها. لأن المصلحة وحدها هى الحافز على السلوك الإنسانى!!.

الاسلام يحدثنا عن الإيجابية والمبادرة والشخصية الحيوية اليقظة..ويرى أن الإيجابية حالة جميلة تجعل صاحبها مهموما بأمر الأخرين  ويرى أن عليه مسئوليه تجاه الآخرين. تجاوبا، وتفاعلا وعطاء ,, والشخص الإيجابي هو انسان حي متحرك متفاعل مع الوسط الذي يعيش فيه وهو أبعد ما يكون عن التقوقع والبلادة كمن يدور فقط حول نفسه ولا تتجاوز اهتماماته  جلده وجيبه كما يقولون ولا يمد يده إلى الآخرين بالمساعدة ولا يخطو إلى الأمام خطوة واحدة

مجتمع هكذا أخلاقه يعيش فيه كل فرد لنفسه لهو مجتمع  مفتت ومتفسخ و زائل في نهاية الأمر.. عكس المجتمع الإيمانى الإيجابي. الذى تتمثل فيه الأية الكريمة(وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شىء وهو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير,,هل يستوى هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم) الشخص (الكًل) بفتح الكاف الذى لا رأى له ولا موقف ,, وهذا الشخص عبء على المجتمع كله وليس على من حوله فقط ضعيف الفاعلية و التأثير في كافة مجالات الحياة لا يتقدم ولا يحرك ساكنا..وهذه الشخصية  على فكرة مطعمة بالحجج الواهية والأعذار الخادعة بشكل مقصود .

وهنا سنتذكر في مجال الحجج والأعذار إبليس الذى يرفض الطاعة لأمر الله بالسجود لأدم ,, وها هو يدخل في فلسفة (فيزياء المادة) شارحا وموضحا أن النار أفضل من الطين !! وهو ببجاحته هذه يحدث خالقه وخالق النار والطين ..اللعين هنا قصته مع  السجود نفسه وليست مع المفاضلة المعيارية بين مادة ومادة.                   

كلهم كذلك أيها الأصدقاء والقصص والمواقف في مثل ذلك لا تعد ولا تحصى ..أذكر أن أحد الأخوة استباح ميراث إخوته ليحميه لهم!! لا ليسرقه وينهبه ..هو يحميه لهم من لصوص شيكاغو الجالسون على النواصي للاستيلاء على أملاكهم..وبحر الكلام واسع كما يقولون..بدأ من المفاضلة بين الطين والنار وانتهاء برفض السماح لأم تحمل طفلا  بالجلوس عل مقعدك لأنهم كسالى ولم يحجزوا مقاعد ..مرورا طبعا _والقافية تحكم_ بالتشكك في قدرة الفلسطينين على حكم أنفسهم.

عتبانا للتيارات الإسلامية الإصلاحية ممدود بطول وعرض الأربعين عاما الماضية التى لم تنجح في التأثير الأخلاقي العميق في نفوس الناس الذين كانوا يتوقون إلى من يأخذ بأيديهم بعيدا عن التأثير القبيح  لدولة الستينيات في تعميق الكراهية بين الناس,, أو دولة السبعينيات في تعميق سلوكيات انهب واجرى ,, أو دولة الثمانينيات في تعميق سلوكيات جلدك وجيبك (وخليك في نفسك) . 

 تمام الأخلاق أحد الأسباب الهامة للرسالة والوحى يقول الرسول صلى الله عليه وسلم (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) وأن حسن الخلق يفوق في أثره الصيام والقيام بل ان القرب من مجلس الرسول يوم القيامة يكون بحسب التفاضل الأخلاقي (أقربكم منى مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا). ومع ذلك ورغم كل الضوضاء التى أحدثتها تلك التيارات تركوا لنا مجتمعا بهذه الصفات وهذه السلوكيات. فيا أسفا ويا حسرتا.

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل تؤيد اختيار حسن شحاتة لتدريب منتخب مصر؟

  • فجر

    03:29 ص
  • فجر

    03:29

  • شروق

    05:08

  • ظهر

    12:06

  • عصر

    15:45

  • مغرب

    19:04

  • عشاء

    20:34

من الى