• الأربعاء 20 فبراير 2019
  • بتوقيت مصر11:45 ص
بحث متقدم

اليتيم

مساحة حرة

يحيى البوليني
يحيى البوليني

يحيي البوليني

يخرج من بيته هذا اليوم في هذا التوقيت لغير السبب الذي ظل يخرج من اجله لمدة ثمانية وثلاثين عاما 
فاليوم هو الاول بعد ان بلغ سن المعاش واحيل الى التقاعد 
لم يستطع ان ينام وظل يتقلب طوال الليل بينما زوجته لا تريد ان تحدث اي حركة على السرير لعلمها ان نومه الان صار خفيفا جدا فيستيقظ من اقل حركة لها واذا استيقظ لا يكاد يعود للنوم الا بصعوبة بالغة 
ورغم ذلك لم ينم .. فصلى الفجر في موعده وعاد للنوم فلم يستطع ايضا ولم تنم هي كذلك 
وفي السابعة ترك السرير وقام وارتدى ملابسه وخرج ... لم تساله الى اين ولم يجب 
خرج بلا هدف ولا وعي ايضا .. شعر بأن هناك أشواك تنخزه في سريره ولم يكن امامه الا ان يستيقظ 
سار والذكريات تلاعب به في كل اتجاه ..
كم من سيارة اطلقت عليها نفيرها الصاخب لكي ينتبه اثناء سيره فقد تعرض اكثر من مرة لطريق سيارة مسرعة كان هو المخطئ في العبور وكادت احداهما تصدمه صدمة عنيفة قاتلة 
تذكر احداثا قريبة وبعيدة ابتداء من حفل التقاعد الذي اقيم امس ليتذكر بعده كل امس مضى 
لم يكتشف الكثيرون أن هذا اليوم لم يكن مؤلما له لتقاعده فقط وهو السبب القريب الذي يعرفه الجميع الا أن هذا اليوم يحمل الذكرى الخمسين للحدث الذي لا يمكنه أن ينساه 
ففي مثل هذا اليوم ومنذ خمسين سنة فقد من كانت اكبر سند له 
ماتت أمه 
وهاهو اليوم يشعر باليتم فكم كان يحتاجها في مسيرة حياته 
جرب أحضانا كثيرة .. احضان نساء كثيرات جدا بعد حضنها 
احضان فتيات ونساء عرفهن في صباه ولا يذكرهن ولا يريد ان يتذكرهن ولا يذكر لهن الا اعترافه بالذنب وسؤال الله المغفرة 
وجرب احضانا حلالا فقد تزوج ثلاث مرات في حياته ، زوجتان منهما طلقهما لاسباب تخصه وتخصهن ولكن الاخيرة هي زوجته التي عاشت معه معظم حياته وانجبت له اولاده 
لم ينس باي حضن احتضنه ذاك الحضن الدافئ الذي ما عرف غيره ولا اعترف بغيره 
ظل يمشي بلا هدى في اماكن وشوارع تضيق وتتسع .. يقل الناس ويكثرون وهو غير مكترث بهم ولا يهمه امرهم .. وهم ايضا لا يكترثون به ولا يهمهم امره 
تركته زوجته يخرج لعلمها انه يريد ان ينفرد بنفسه وهي تقدر ذلك تماما .. اولاده سيذهبون الى اعمالهم ودراستهم بعد قليل ولن تتوقف حياتهم فهم في بدايتها 
اما هو فهو يشعر بالنهاية 
هل يشعر الان بالطفل الذي كان 
هل يعود الانسان مرة ثانية لنقطة البداية من جديد فيشعر بالضعف وقلة الحيلة واحتياجه الى الامان الذي كان يجده في حضن امه او في رحمها قبل ان ينزل صارخا في وجه هذه الحياة وصارخا في وجه من اخرجه من هذا المكان الامن الى هذه الدنيا الموحشة 
مر على مقاه يجلس عليها الناس فيشعر انهم لا يفارقونها لمدة اربعة وعشرين ساعة ورأى محلات تستقبل اوائل زبائنها بينما يصدح منها صوت الشيخ محمد رفعت يتلو قرآن السابعة في اذاعة القرآن الكريم ليصل الى مسامعه صوته الذي يرفعه في هذه الاية لينادي الناس وكأنه يوصل دعوة الله الى عباده فيقول ""وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ "
فيأخذه الحنين للحظة التي كانت أمه تفتح المذياع على نفس الاذاعة في نفس التوقيت ليسمع نفس الشيخ وهي توقظه ليذهب الى مدرسته بينما يرجوها ان تتركه ولو لخمس دقائق اضافية فلم ينل كفايته من النوم رغم انه نام فعليا في التاسعة فالان قد بلغ عشر ساعات من النوم فيبتسم حينئذ لأول مرة حينما يسمع صوتها يأتيه عبر الزمن بعد خمسين عاما " قوم يابو النوم بئا الجرس هيضرب" 
يقف بجوار المحل الذي يسمع فيه صوت الشيخ رفعت فيجد نفسه قد تسمر بجواره لتستمر ذكرى اللحظة لا تفارقه 
يقوم من نومه متثاقلا متثائبا ويشعر بابعبئ الشديد ليوم دراسي جديد فتطلب منه والدته ان يتوضا ويصلي الصبح ريثما تعد له فطوره وسندوتشاته التي سيأخذها معه 
يتوضا ويصلي ولا يدرى كم صلى ولا يعرف اصلا أنه غسل ذراعيه أم لا اثناء وضوءه الذي قام به وهو في وضع المنومين 
يبدا في الافاقة وهي تهزه على طبلية الطعام حينما وضع رأسه مرة ثانية عليها ونام 
ياكل وهو نائم ايضا ثم يضطر بعد الحاحها للافاقة وهو يرتدي ملابسه للخروج 
يخرج وهو مبتسم لها بعد أن افاق فيودعها بقبلة وتودعه بحضن دافئ لم يشعر بمثل دفئه قط . 
وفي الحصة الثالثة يجد الناظر وقد ارسل من يستدعيه الى مكتبه فيطيش عقله خوفا ، فما استدعاء الناظر لي تلميذ الا لمصيبة قد فعلها وسيتبعها مشكلة ضخمة ، ولكنه يفاجأ انه يرى الناظر على غير عادته من الحدة والتجهم المعتادين حينما وجده يحتضنه مربتا على كتفه لينظر للجهة الاخرى  فيرى خاله دامع العين فيتعجب كثيرا ، ويطلب منه الناظر أن يحضر شنطته ويعود لبيته مع خاله 
فيتعجب الطفل من هذا التصرف العجيب ويسال خاله فلا يجيب وقد ملأ الدمع جفنيه فيربت عليه فقط 
وحين يصل الى بيته الهادئ يرى جمعا اسود يفترض ارضية امام بيتهم فلا يفهم ولا يريد ان يفهم شيئا لكنه يفهم أن الحضن الدافئ قد ذهب بلا عودة وأن احضان الدنيا لن تدفئه بعد اليوم 
ينتهي الشيخ رفعت ويقول صدق الله العظيم ليخرجه من ذكريات هذا اليوم الكئيب 
فيبدأ في التحرك ثانية وهو يظن نفسه يتحرك بلا وعي وبلا وجهة ولكنه كان كمن يتحرك بقوة جذب مغناطيس قوي الى جهة ما بدون ارادته رغما عنه حتى يجد نفسه هناك 
في المكان الذي لا يتواجد فيه أحد غالبا في هذا التوقيت ، في المكان الذي يذهب اليه الأحبة ولا يعودون أبدا
ليجد نفسه أمام قبر أمه كطفل تائه لا يدري الى أين يذهب 
يقف امام قبرها متحيرا وهو يقول في نفسه كما لم يستطع قوله قبل ذلك
امي ماتت وتركتني وحيدا في هذه الحياة لا ادري ماذا افعل 
وينفجر في البكاء ويهتز بعنف من داخله ويغمض عينيه فيسمع لصوت الشيخ رفعت ثانية وهو يقول "لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى? وَزِيَادَةٌ ? وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ ? أُولَ?ئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ ? هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ"
 فيخر على ركبتيه ويشعر بيد تربت عليه وحضن دافئ كحضن أمه 
فلاول مرة منذ فارقته منذ خمسين عاما يشعر بمثل هذا الدفئ 

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

ما رأيك في الهجوم على الحجاب؟

  • ظهر

    12:14 م
  • فجر

    05:13

  • شروق

    06:37

  • ظهر

    12:14

  • عصر

    15:25

  • مغرب

    17:51

  • عشاء

    19:21

من الى