• السبت 23 مارس 2019
  • بتوقيت مصر04:30 م
بحث متقدم

دلالة الحجاب.. بين مرحلتين!

مقالات

كان من المفترض أن تكون قضية الزى، من قضايا الضمير الإيمانى الداخلى فى مصر، فلا يحمل بعض المسطحين دفًا  وطبولاً وصاجات للفت الأنظار إليها والدوران بها على كل بيت بما يخرج بها عن حدودها الطبيعية، ولا يوظفها بعض رجال السياسة والكوادر الحزبية والمنتسبين إلى الحقل الإعلامى، توظيفًا ربحيًا أو سياسيًا أو ديكوريًا، لإدرار الأرباح على بعض القنوات الفضائية التى كانت فى طريقها إلى الإغلاق لضيق ذات اليد، أو للفت الأنظار إلى بعض الأحزاب الورقية التى تستخدم قضية الحجاب وتقرنها بمعنى "الاستنارة" أو "التنوير" وفق تفسيرات معينة للدكتور جابر عصفور و بعض الليبراليين ورموز اليسار، مع أن مسألة الحجاب _ ارتداء أو نزعًا  _ لا علاقة لها بمعنى الاستنارة من قريب أو بعيد، فهنالك نساء لا يلبسن الحجاب ورجال نساؤهم غير محجبات، ومع ذلك يحملون فى منطقهم ورؤاهم الفكرية "فاشية قاتلة" لا تعرف حدودًا، وهم مستعدون _ ومستعدات _ لقبول السحل والإجراءات الفاشية لإزاحة الخصوم من الطريق بأى ثمن !!  فما دلالة نزع الحجاب هنا إذا اقترن ذلك بالاستعداد لتمرير المشروع الشمولى _ بكل لواحقه ومشتملاته _  واغتيال الحريات المدنية بدم بارد؟ وما علاقة نزع الحجاب والتطويح به من النافذة وسط زفة إعلامية مفتعلة، بقضية الاستنارة أو التنوير، وهى أمور أشد علاقة بنمط الرؤية والتصور والتفكير، لا بغطاء الرأس ولا بطول الثوب ولا بمساحة "الجيبة " و"الفستان "؟!.
فقد لاحظت _ فى الفترة الأخيرة _ أن هناك احتفالات أقرب إلى احتفالات "التامبولا" الصاخبة فى بعض المؤسسات الإعلامية والمحافل لهذه السيدة أو تلك، لا لشيء إلا لأنها "نزعت الحجاب"، وكأنها انتصرت فى معركة "طروادة "، أو حققت نصرًا ملحميًا ضخمًا فى معارك التنمية والعدالة الاجتماعية والحريات والتفوق التقنى والتكنولوجى، بينما الأمر لا يعدو التطويح بقطعة قماش فى مشهد مفتعل لإعطاء معنى كاذب للاستنارة، وسرقة نصر حضارى وهمى لوطن جريح مثقل بالتخلف والفشل والتراجع الشامل فى معظم ملفات التقدم والحضارة! وتجرى هذه الاحتفالات الملتاثة بمعرفة "بؤر إيديولوجية" معروفة دأبت على إثبات وجودها بقنابل الصوت ولفت الأنظار بمعاداة هوية الأمة، بحقد موتور وغل أسود وخلط مخجل للملفات لإرباك البسطاء ، والتعمية المجرمة على مساحة المعركة المفترضة الحقيقية وأطرافها و معالمها! و هنا تترادف دلالة نزع الحجاب _ من وجهة نظر هؤلاء _ مع دلالة التنوير، فى أكبر عملية تزوير تشهدها مصر لتسريب معنى "التنوير" أو "الاستنارة" بربط ذلك بالزى بوجه عام !! و فى ندوة بـ " أتيليه القاهرة " _ منذ فترة قريبة _ رأيت أستاذًا جامعيًا مرموقًا(معروفًا بانتمائه اليسارى) كان يجلس بجانبى على المنصة فى ندوة مشتركة جمعتنا، وعندما دخلت شاعرة معروفة وقد نزعت حجابها، وكانت ترتديه منذ أمد طويل، وجدت الرجل يتهلل بالانتشاء والبهجة، ويشير إليها بإبهامه إلى أعلى _ علامة الانتصار! _ و كأنها وصلت بنا إلى المريخ أو استعادت لنا كل أرض محتلة، أو أعادت الحياة إلى مصانعنا ومختبراتنا النائمة! فأى تزوير هنا تمت خديعة الناس به من خلال تدليس معنى" التنوير" أو "الاستنارة" ، بربطهما بقضية الزى فى أكبر خديعة للمصريين! والمدهش أن من يوظفون دلالة التنوير _ بهذه الزفات المصطنعة لنزع الحجاب _ يلتزمون صمت القبور بإزاء ملفات الحرية الأخرى، التى قد تكلفهم صدامًا مع الأقوياء؟! والمعنى بطبيعة الحال واضح دون تفسير!. 
 إن ذات المبالغات الفجة التى تباشرها ذات "البؤر الإيديولوجية" المزورة ، التى تقود العقل المصرى نحو الضباب والتيه، أقول إن هذه البؤر نفسها فرضت وجودها وأدوارها منذ نهاية السبعينيات ومطلع الثمانينيات، حين نزحت كثيرات من  نساء مصر نحو الحجاب _ دون قسر أو إكراه _ فسارع أشاوس "التنوير الجديد" إلى شن الحملات المجنونة، لنزع الحجاب من الرؤوس مجددًا، لا لتنوير العقل المصرى وتوعيته، وهو ما شرحه طويلاً الكاتب الصحفى "مجدى كامل" فى كتابه: "فنانات وراء الحجاب"( مركز الرآية للنشر والإعلام / ط1 / 1993) إلى حد الادعاء بأن هنالك مؤسسات خليجية ضخمة تدفع مبالغ طائلة  للمحجبات من الفنانات والشهيرات، نظير وضع غطاء الرأس! بل زعموا أن مؤسسة من هذه المؤسسات عرضت على الفنانة الراحلة "فاتن حمامة" سبعة ملايين جنيه لكى تلبس الحجاب!! ( راجع "فنانات وراء الحجاب" ص 21 وما بعدها) واستنكرت الفنانات ممن لبسن الحجاب هذه المبالغات الإعلامية المتهوسة، وأكدن أن قرار ارتداء الحجاب كان باقتناع دون قهر، وكان من أعلى الأصوات  المستنكرة "سحر حمدى" و "هالة الصافى"، فى هذه الفترة. ولم تتورع البؤر الإيديولوجية المجرمة التى تدير المعركة _ آنذاك _ عن القول إن هذا المخطط لـ "تحجيب مصر"، مؤامرة على السياحة والسينما المصرية، لتفريغهما من "الإمكانيات" ! ( أى إمكانيات بالضبط ؟!) وهى البؤر الإيديولوجية نفسها التى صمتت _ بصورة مريبة _ عن جرائم الفترة "المباركية" فى باب الحريات المدنية والسياسة والنهب المنظم للمال العام!. 
 و لم يكن بعيدًا عن هذا حفلة كبيرة أقيمت فى مؤسسة صحفية _ معروفة بإيديولوجيا معينة _ لزميلة صحفية "نزعت الحجاب " _ و هذا قرارها الشخصى الذى لا نتدخل فيه _ و لكن المؤسسة أقامت الولائم و قامت بتقطيع "تورتة " كبيرة دعت إليها علية القوم، احتفالاً بالتخلص من سجن الحجاب، وتعجب بعض الحضور وهو يقضم التورتة متسائلاً: "هل أنهت مصر عملية صناعة المفاعل النووى واستزراع صحراء سيناء لآخر فدان؟! " وهنا برز السؤال مجددًا ما علاقة" التنوير "ب " الزى " أصلاً ؟!. 
 وجاءت إشارة الاستنكار الواضحة لهذا التزوير "التنويرى" الذى يقرن دلالة التنوير بدلالة الزى أو نزع الحجاب على طريقة د جابر عصفور و تلاميذه، أو التبارى المجنون فى كشف النهود والأفخاذ، من الكاتبة الكندية "كاثرين بولوك" فى كتابها: "نظرة الغرب إلى الحجاب" ( ترجمة د. شكرى مجاهد/ دار العبيكان ط1 / 2011)، والكتاب فى الأصل رسالة دكتوراة أعدتها الباحثة الكندية، بإشراف البروفيسور " جوزيف كارينز " ، و أكدت _ فى رسالتها _  أن الحملة الممنهجة ضد " الحجاب "، قد بدأتها مجلة "الإيكونومست" البريطانية _ فى أعقاب هجمات سبتمبر الشهيرة فى أمريكا _ حين نشرت على صفحتها الأولى عنوانًا كبيرًا: "هل ينسجم الإسلام مع الديمقراطية؟" وقد وضعت إلى جوار السؤال الاستنكارى صورة لامرأة "محجبة" ؟! وأشارت الكاتبة إلى أن جهودًا إعلامية هائلة، كانت تبذل لإلصاق كل شر بكلمة: "Veil " الإنجليزية، وتعنى "الحجاب" من قبل قوى كثيرة. وتؤكد الكاتبة الكندية أنها _ بعد قرارها اعتناق الإسلام و  وارتداء الحجاب _   ذهبت يومًا إلى عيادة طبيبة أسنان فى "تورنتو"، فأكدت لها الطبيبة أنها لن تستعيد قدرتها على "المضغ "، إلا إذا خلعت هذا الحجاب، الذى يعيق عمل الأسنان بصورة حيوية !! ( "نظرة الغرب إلى الحجاب" ص 23) ولم تتورع "كاثرين" أن تصف الحالة الذهنية العامة التى تكرست عن قصد ضد الحجاب بـ "التمييز والعنصرية" إلى حد طرد تلميذة من مدرستها فى "مونتريال" بسبب "الحجاب " ! وتؤكد الكاتبة أنها تتعجب الآن، مما تعجبت منه الدبلوماسية البريطانية " مارى مونتاجو "، من أن الآلة الدعائية الإعلامية الغربية، قد نجحت بدهاء كبير، فى ربط دلالة الحجاب، بدلالة القهر، ومن ثم ربطت _ بالتزوير نفسه _ دلالة التحرر والتنوير، بدلالة نزع الحجاب، دون أية مسألة تحررية أخرى جادة ؟!.  
 وعند هذا المنعطف أسأل "مستنيرى الغبرة " فى مصر  الذين ألبسونا فى الحائط، ولا أعلم أن أحدهم قرأ كتابًا  واحدًا  مهمًا  بعمق فى حياته : "بعد سنوات سبع أو عشر من الحملة المنظمة للاحتفاء بنزع الحجاب ، باعتبار هذا الاحتفاء، هو أيقونة التنوير، ودلالة التمرد الإيجابى، هل تنفست مصر الصعداء، وحصلت خبزها وأقواتها بتنمية حقيقية، وظفرت بحرياتها الكاملة _ وفق التعريف القاموسى لمعنى الحرية الشاملة ؟! وهل حققت منجزًا علميًا  واحدًا  من خلال مختبر أو معمل داخل مصر اعترف به العالم ؟! "أجيبوا عن سؤالى بعد أن تزيلوا من رؤوسكم _ بحيدة و أمانة _ " فوبيا نزع الحجاب" ! ( وللحديث بقية لنعرف فى المقال القادم، كيف استثمرت إدارة "بوش" قضية تحرير المسلمات من الحجاب تحديدًا، فى عملية غزوها للعراق، وحجب أهدافها الاستعمارية الحقيقية وفى طليعتها الاستيلاء على منابع النفط ومصافيه).

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل تؤيد إلزام المقبلين على الزواج باجتياز دورة تأهيلية؟

  • مغرب

    06:13 م
  • فجر

    04:37

  • شروق

    06:01

  • ظهر

    12:07

  • عصر

    15:35

  • مغرب

    18:13

  • عشاء

    19:43

من الى