• الخميس 18 أكتوبر 2018
  • بتوقيت مصر09:48 ص
بحث متقدم

رِبَاطة الجأش

وجهة نظر

حاتم سلامة
حاتم سلامة

حاتم إبراهيم سلامة

ما زلت أتذكر زلزال عام (92) وكنت وقتها ابن الخامسة عشر عاما، وعلى سجادة الصلاة حيث أصلي سنة العصر في البيت مستعدا بعدها للخروج إلى المسجد، وبينما كنت في الركعة الثالثة، سمعت صدعًا عظيمًا يشق الارض، ورأيت بيتنا يهتز ويتمايل، فلم أدر بنفسي إلا وأنا أفر من سجادة الصلاة دون أن أكمل الركعة الرابعة أو حتى أسلم عن يميني ويساري، نجاةً بنفسي من هذا الهول المفزع.. تاركا خلفي والدتي وإخوتي، وتأملت موقفي وموقف هذا الشاب اليمني الذي أم الناس في المسجد في إندونيسيا وقت الزلزال الذي ضرب جزيرة لومبوك بقوة 6.9 درجات، فثبت مكانه واستمر في صلاته، ولم يخرع أو يسوقه الهول للفرار من المسجد.
كثير من الناس يقولون: رَبَاطَة الجَأْش بفتح الراء، كأن يقولوا: هذا القائد يتصف برَباطَة الجأش، بفتح الراء، وهذا غير صحيح، والصواب: رِبَاطَة الجأش بكسر الراء، ومعناه شدة القلب وقوته، فـ (الجأش) هو النفس أو القلب، و(رِباطة) بكسر الراء، هي مصدر الفعل (رَبَطَ)، يقال: رباطة الجأش رباطة: اشتد قلبه فلم يفر عند الفزع، ومعنى (رابط الجأش) أي ثابت القلب عند الشدائد، وهي من صفات الرجل الشجاع.
وحول هذه اللفظة وهذا الموضوع، تأملت كثيرا، فلا أعرف من أين وكيف يأتى هؤلاء الناس بهذه القوة الخارقة، وهذا الثبات الرهيب الذي قد يفوق ثبات الجبال، أمام هذه المواقف التي تنخلع لها القلوب.؟
إنهم ثابتون لا يتحركون، وكأن شيئا لم يحدث أمامهم، وأن هذا الذي يبدو في ظاهره هولاً، لا يعدو أن يكون في تأثيره إلا كنسمة هواء عابرة، لامست خد أحدهم.
كما أنني أحار في السبب الذي أوجد مثل هذه القوة، وهذه الصلابة النفسية، أهي قوة في الإيمان أم ثقة عظيمة في النفس، أم تربية قوية شب عليها صاحبها من صغره، فجعلته لا يخشى ولا يرهب في الدنيا أي شيء، ويواجه ويقاوم أي شيء؟!
روى المسعودي أن الخليفة العباسي الهادي بن المهدي كان في بستانه يوما، فجاءه رجاله وقد ظفروا ببطل من أبطال الخوارج، فأمر بإدخاله، فلما قرب الخارجي منه، نزع سيفًا من أحد الحرس وتأهب للاعتداء على الخليفة، فهرب منه الحرس خوفًا، وأقبل الخارجي يريد قتل الهادي، ولكن الهادي ظل رابط الجأش ثابت الجنان، حتى قرب منه الخارجي، فصاح الهادي وقال اضرب عنقه، فتوهم الخارجي أن خلفه أحد أتباع الهادي فاستدار إليه، وحينها انقض الهادي عليه ورمى به إلى الأرض وأخذ منه السيف وقتله.
وهي حركة سريعة وتصرف سليم أسعفه به عقله وثباته وتفكيره، في هذه اللحظة التي يُصاب فيها العقل بالشلل التام وهو يرى مصيره أوشك على الانتهاء.
روى ابن المبارك قال: ما كان أوقر مجلس أبي حنيفة، كان حسن السمت، حسن الوجه، حسن الثوب، ولقد كنا يومًا في مسجد الجامع، فوقعت حية، فسقطت في حِجر أبي حنيفة، وهرب الناس غيره، ما رأيته زاد على أن نفض الحية، وجلس مكانه.. والمرء يتخيل نفسه في مكان أبي حنيفة وحدث له ما حدث من هذا المخلوق الذي يثر الذعر في النفس، ويصيب فؤاد المرء بالهلع الشديد.. فإما أن يغمى عليه ويكون فريسة لهذه الحية أو يصاب بتلف العصاب ويأتيه الجنون. 
وأمثال هؤلاء يستطيعون أن يواجهوا كثيرًا من مصائب الدنيا وملماتها، ومهما كانت النوازل قوية مزلزلة، تبقى هذه النفوس ثابتة تستجمع أرجاءها وعناصر صمودها، حتى يتلاشى أمامها ما يرعب الأخرين، وتجزع منه نفوسهم.
رُوي أنَّ الإمام جعفر الصادق كان قد نهى نساءه وجواريه أنْ يصعدن إلى السطح -سطح البيت-، ولعلَّ ذلك مبالغةٌ منه في الستر والحجاب، واتَّفق في إحدى المرَّات خروج الإمام من مجلسه إلى فناء داره فوجد جاريةً تصعد إلى السطح، حاملةً أحد أولاده، فلمَّا أنْ رأته فزعت، فسقط الغلام من يدها نتيجةَ شعورها بالهلع والخوف، وأدَّى سقوط الغلام من يدها إلى موته، فأخذ الإمام يُهدِّأُ من رَوْع الجارية ثم عاد إلى مجلسِه وقد بدا على وجهه أثر الوجوم-، ثم أخبر أصحابه بما وقع ، ثم قال : والله ما حزنت على موت الغلام؛ فذلك أجلُه قد حان فرحل إلى ربِّه، ولكنَّ الحزن الذي انتابني هو إنَّي كنتُ سبباً في دخول الرُّعب والخوف إلى قلب تلك المرأة الضعيفة!. فرغم أنَّ ابنه الصغير قد مات، وكان موته مسبَّبًا عن تقصيرِ تلك الجارية، إلَّا أنَّه سلَّم لربِّه، وفوَّض أمره لخالقه -عزَّ اسمه وتقدس-. وما صدر منه تعنيفٌ لتلك الجارية بل شعر بالحزن الشديد حتى ظهر على محيَّاه لأنَّه ربَّما كان سبباً في دخول الفزع والخوف إلى قلب تلك الجارية!

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل تؤيد قرار منع بيع الدواجن حية في المحلات؟

  • ظهر

    11:45 ص
  • فجر

    04:41

  • شروق

    06:05

  • ظهر

    11:45

  • عصر

    14:59

  • مغرب

    17:25

  • عشاء

    18:55

من الى