• الخميس 16 أغسطس 2018
  • بتوقيت مصر07:48 ص
بحث متقدم

ماضى الهزائم الذى لا يمضى و5 يونيو

مقالات

يقولون أن الحدث ليس هو ما نراه أو ما نعرفه بل هو ما يصير إليه وما ينتج عنه من أحداث.. وتنطبق هذه المقولة بدرجة كبيرة على هزيمة 5 يوينو والتى هى بالفعل الحدث الذى لا حدود له,, هزيمة كل يوم وليست هزيمة فى زمن مضى ومضى معه ما أحدثته هذه الهزيمة من كوارث ونكبات,بل لازالت تتوالد وتخرج لنا هزائم وانكسارات وكوارث ونكبات,, ولم نرى فى تاريخ الحروب والهزائم ما رأيناه من 5 يونيو وكوارثها :مصريا وعربيا وإسلاميا ,كل الدول والأوطان خاضت حروب ومعارك وهزائم وانتصارات وخرجت منها وقامت بها ونفضت عنها وأضافت لها ,إلا هذه الهزيمة المشئومة التي صنعت أسوأ حاضر وأسوأ مستقبل للعرب والمنطقة ولازالت, إذا أشرت إلى الإنسان وقوامه الروحي والأخلاقي والوطني ستجد الأصابع المتسخة لتلك الهزيمة وأثارها,, سيحدثنا علماء الاجتماع السياسى كثيرا عن الآثار المروعة لتلك الهزيمة على البنيان الأخلاقي للمجتمع المصرى كله وتصدع علاقات المصريين ببعضهم من جانب وعلاقتهم بالسلطة والإدارة والوطن كله من جانب أخر .
إذا أشرت إلى الدولة وأركانها ومؤسساتها وقوانينها.. ستجدها,, إذا أشرت إلى العدو الصعلوك وما صار إليه من بلطجة وسطوة وإختراق.. ستجدها,, إذا أشرت إلى السلطة وتعاليها وقهرها للشعوب ونشرالتخلف والفساد.. ستجدها ,,إذا أشرت إلى الأفكار والسياسات وما أوجدته من تيارات فكرية وسياسية فاسدة ومفسدة ..تالفة ومتلفة.. ستجدها.  هى عارنا التاريخى المتوالد وهزيمتنا اليومية المشئومة..توالدت منها _كما ذكرت_كل هزائمنا الحضارية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية ,,ما نشهده اليوم فى العالم العربي كله إنما هو أثارا متتابعة من أثارها..وما الحديث عنها إلا وقوفا على خيبات اليوم وكيف هى بنات هذه النكبة الكبرى التى لحقت بالأمة كلها.
 وأسوأ سؤات هذه الهزيمة هى أنها لم يتم التحقيق فيها والوقوف على أسبابها ومسببيها وكتابة وثيقة تقدم إلى الأمة وأجيالها وقادتها ومسئوليها,, رغم أنها كما قال الراحل الأستاذ هيكل( أحد كبار صانعيها ومبرريها ومفلسفيها): تبقى أخطر المعارك فى الشرق الأوسط وعليه ,,كما أنها أكثرها إثارة وأشدها ضراوة وأبعدها تأثيرا وأحفلها بالمفاجآت .
ستزداد حيرة وألما حين تعلم أن السادات شكل لجنة لإعادة كتابة تاريخ مصر فى يناير 1976 وكلف نائب رئيس الجمهورية وقتها حسنى مبارك برأستها الذى ما لبث أن انسحب منها فى هدوء(ليس لدية صبر وقدرة على مثل هذه المهام)وطلب من الدكتور صبحى عبد الحكيم أستاذ الجغرافيا بجامعة القاهرة (رئيس مجلس الشورى من عام 80-86 وتوفى عام 2009 )رئاستها بدلا منه ثم انتهى الموضوع وكأنه ما كان  فى سابقة لم تعرفها أمة منقبل ولا من بعد ولا فى  قبائل الزلولو والتوتسى,,احد أعضاء اللجنة(اللواءالطيار فكرى الجندى دفعة 1960 طيران)قال أن كل الوثائق التى حصلت عليها اللجنة تم دفنها بالكامل خاصة تلك التى تتناول حقائق عهد ما قبل حركة الضباط الأحرار 1952 وصولا الى حرب 1973 ليس هذا فقط,, ما سيؤلمك أكثر وأكثر مما قاله الرجل أن الراحل الفريق عبدالمحسن مرتجى(توفى عام 2013) قائد جبهة سيناء فى الحرب المشئومة التزم الصمت تماما  ورفض الحديث عن كوارث تلك الحرب طبقا لاتفاق مع السادات ثم مبارك كما قال ,, وذكر أيضا أن الهجمة الجوية الإسرائيلية كانت أهم أسباب  الهزيمة  كما هو معلوم ويتحمل عبدالناصر و عبدالحكيم عامر المسؤولية الكاملة عنها ويضيف:الغضب الذى انتابنى جراء عار النكسة جعلنى أكره عبدالناصر بشدة  بعد أن كنت مستعدا لأن أفتديه بدمى..هكذا قال الرجل ,,الكره قليل على البكباشى يا سيادة اللواء,,قال أيضا أن إشارة رادار(عجلون) بالأردن والذى كان تابعا للقيادة العربية الموحدة    (اللواء عبد المنعم رياض أيها الأصدقاء الذى أبعده البكباشى وعامر إلى الأردن) قام برصد إقلاع الطائرات الإسرائيلية وتم منع وصول اشارة الرصد إلى قيادة الدفاع الجوى فى جبل الجيوشى بالمقطم,, وأرسلت إلى مكتب وزير الحربية وحده(شمس بدران- وزير الحربية 66-1967) لأمر غير مفهوم مع أن المتفق عليه أن تصل بالتوازي إلى قيادة الدفاع الجوى فى نفس توقيت وصولها اليه الأفضح والأفدح انه تم تغيير الشفرة التى يقوم من خلالها مكتب الوزير بإبلاغ الدفاع الجوى(تخيلوا الخراب والخيانة كان واصل إلى أى عتبة) لو كان تم رصد الطيران الإسرائيلي فى وقت معقول لكان من الممكن التصدى له بسهولة,, لأن الطائرات كانت فى مهمة لتدمير مواقع على الأرض ولم تكن مجهزة للقتال الجوى و كانت لديهم تعليمات بالعودة فى حال اكتشافهم. 
كل الدلائل كانت تشير إلى أن البكباشى كان يعرف بموعد الحرب على ما ذكر لنا عبد المنعم النجار سفير مصر فى باريس وقتها..وكان يعرف أن الجيش القادم منهكا من اليمن..مكسورا من سوريا بعد الانفصال..مصدعا من شللية عبد الحكيم عامر ورجاله..كان يعرف تماما أن هذا الجيش لا يستطيع مواجهة إسرائيل..ومع ذلك طرد القوات الدولية وأغلق المضايق وهى القرارات التى كانت تعنى مباشرة إعلان حرب على إسرائيل..لكنه لم يكن يتوقع أن تسفر الحرب إلى هذه النكبة الكبرى على الجبهات الثلاث(مصر وسوريا والأردن)..توقعها حربا محدودة كما كانت فى 56 والتى خرج بعدها منتصرا سياسيا..وعليه فسيكون الأمر واحدا ويتخلص فى هذه المرة من عامر ومن عصابته فى الجيش,, لقد اتخذ الرجل من الوطن وأمنه القومى ومن الشعب وسلامته مادة للعبة وضيعة يلبس فيها عاره لغيره.
غير أن هذا ليس كل شيء ..إذ سيكون هاما هنا أن نقف على هزيمة أخرى أعمق وأسوأ وأبشع ..وهى هزيمة 9 يونيو ,,يوم خرجت الحشود فى الشوارع والطرقات لا لتطيح بالنظام الذى فقد شرعيته تماما بعجزه عن حماية الوطن وسلامة أراضية..ولكن لتستبقيه وتمنحه شرعية البقاء والاستمرار.. يحدثنا د/شريف يونس في كتاب(الزحف المقدس أحداث 9/10 يونيو 1967) حينما خرج المصريون إلى الشوارع مطالبون جمال عبد الناصر بالتراجع عن قرار التنحي(كانت هذه الحشود تعكس شعورا ووعيا متراكمين عبر 15 سنة من حكم جماعة الضباط الأحرار ومن ألحق بهم من المدنيين والعسكريين الآخرين ,,شكلت بالفعل أذهان الناس وعواطفهم وتوجهاتهم باستخدام تعبئة أيديولوجية متواصلة وكانت نتيجتها هي تحرك الناس على هذا النحو الفريد في تاريخ الهزائم الكبرى للأوطان ويعبر مفهوم الزحف المقدس عن فكرة وردت في كتاب (فلسفة الثورة) ترى الشعب المرغوب فيه,, شعبا مفتتا إلى عناصره الأولية يسير أفراده ومؤسساته وراء (الضباط )كرجل واحد كما هو الحال تماما في الاستعراضات العسكرية)
ويضيف (أن شعبية عبد الناصر هي في أساسها صنيعة الدعاية التي قامت باللعب على الانتصار السياسي في معركة تأميم القناة 1956م والتضخيم من المكاسب التي حققتها في الأساس للطبقة الوسطى _لا الفقيرة_من أجل تصوير النظام باعتباره نظام الفقراء والكادحين) وينهى كلامه قائلا: (الناس كانوا كما لو أنهم كالقطيع الذي يمكن سوقه بلا وعي).
كانت هزيمة يوينو زلزالاً جاءت بعده زلازل ارتدادية من النوع نفسه وبنفس حدته وتدميره وساهمت تلك الزلازل المتلاحقة في تخليد هذا الجرح العميق داخل الوطن.
كل ما نعيشه من خرابات وانهيارات واندحارات واحباطات وتراجعات هو من تداعيات نكبة  5 يونيو إنها القارعة الكاسرة بحق..هى بالفعل الماضي الذي لا يمضى

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل تؤيد خطة تطوير التعليم في مصر؟

  • ظهر

    12:04 م
  • فجر

    03:56

  • شروق

    05:26

  • ظهر

    12:04

  • عصر

    15:42

  • مغرب

    18:42

  • عشاء

    20:12

من الى