• الإثنين 18 يونيو 2018
  • بتوقيت مصر03:57 ص
بحث متقدم

لماذا نستعيد دروس نكسة يونيه الآن ؟

مقالات

تحل غدا الذكرى السنوية الحادية والخمسون لأكثر أيام مصر إيلاما ومرارة في تاريخها الحديث ، ذكرى هزيمة الجيش في نكسة يونيه 1967 ، وخسارة سيناء التي تمثل أكثر من ربع مساحة مصر كلها ، فضلا عن خسارة قطاع غزة والقدس والدمار الشامل الذي لحق بالقوات المسلحة والإهانة التي لحقت بالعسكرية المصرية ، والخراب الذي عم البلاد بسبب استنزاف مواردها في محاولة إعادة بناء القوة ، ووصلنا إلى حد أن يتجول المطربون والمطربات في العواصم للحصول على عملة صعبة في الحفلات لدعم "المجهود الحربي" ، فضلا عن تفجير النكسة للصراع الدموي في أعلى هرم السلطة ، بين مجموعة عبد الحكيم عامر نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة ، وصاحب الهيمنة الفعلية على الجيش ، ومن معه من أجهزة أمنية ، مع مؤسسة الرئاسة بقيادة عبد الناصر ومن يدين لها بالولاء من أجهزة أمنية ، والتي أنهاها عبد الناصر بذكاء بفكرة الاستقالة الجماعية للقيادتين العسكرية والسياسية ، فنزع السلطة عن عامر ومجموعته وجردهم من رتبهم العاملة ، ثم تراجع هو بلعبة المطالب الشعبية برفض تنحيه عن السلطة ، قبل أن تتم تصفية مجموعة عامر ، بل تصفية عامر نفسه الذي تصر أسرته وكثير من الباحثين أنه تمت تصفيته عمدا ، وتحويل بقية القادة والمجموعات الأمنية الموالية له لمحاكمات عسكرية انتهت بهم إلى السجن ، حيث تم تحميلهم كامل فاتورة الهزيمة .
لنكسة يونيه مرارة شخصية ، فهي الحرب التي فقدت فيها شقيقي الأكبر الشهيد مهندس حسين سلطان ، وكان وقع فقده مدمرا للأسرة وللوالدين تحديدا ، حيث ضاع جثمانه ، ضمن آلاف آخرين من ضباط وجنود مصر ، الذين كان الجنود الصهاينة يتسلون بصيدهم في صحراء سيناء وهم هائمون على وجوههم في الضياع بلا سلاح ولا غذاء ولا ماء ولا قيادة ، ثم يقومون بدفنهم في مقابر جماعية ما زالت مجهولة ، وقد صنفوا بعد ذلك رسميا تحت وصف "مفقود عمليات حربية"، حيث ظل الأمل في عودتهم يمزق أحشاء الأمهات ، ولو كانوا تسلموا جثثهم لكان أقل عذابا .
غير أن نكسة يونيه كانت جرح وطن بكامله ، وجيل بكامله ، عاش الهوان والانكسار والذل ، الذي لم يخفف منه سوى النصر السريع الذي تحقق في حرب أكتوبر ، حتى ولو كان نصرا غير مكتمل ، إلا أنه خفف من وقع الهزيمة ، وقلل من آلام النكسة ، وأعاد لنا شيئا من الكرامة المهدرة .
نكسة يونيه ، يمكن أن نحولها ـ إذا أخلصنا للوطن ـ إلى دروس تاريخية تنير واقعنا وتصحح بوصلة المستقبل ، وهناك آلاف الشهادات التي قدمها قيادات عسكرية سابقة عاشت التجربة ، وتجدثت عن أسباب الانكسار والهزيمة ، تحدثت عن خطورة غرق القيادة العسكرية وقتها في الحياة المدنية ، لدرجة الانشغال بمنافسات كرة القدم وصراعات الأندية ، ومشكلات الفنانين وترتيب الحفلات معهم وربما العلاقات واللهو والزواج ، وتصوير الأفلام المخلة لبعضهن لتوظيفها فيما بعد ، كذلك تحدث هؤلاء القادة عن انشغال الجيش بالصراعات السياسية بين عبد الناصر وعبد الحكيم والانشغال بالنشاط الاقتصادي وإدارة الشركات والمصانع المدنية والمؤسسات التي تم تأميمها .
كذلك تحدث القادة في مذكراتهم عن غياب الحريات العامة وسيطرة الأجهزة الأمنية على كل مفاصل البلد ، وانتشار الخوف بين الناس ، وتهميش إرادة الشعب واستسهال تزويرها ، وبروز ظاهرة الوثنية السياسية بتأليه الزعيم القائد المنقذ الذي بدونه تنهار البلاد وتسقط وتضيع ، لدرجة أن بعض "المنافقين" اعتبر أن مصر لم تهزم في النكسة لأن "إسرائيل" لم تنجح في إسقاط الزعيم عبد الناصر ، فكأن إبادة الجيش وسحقه وتدمير مقدرات الوطن وإذلال مصر وشعبها والهزيمة التاريخية المهينة والمروعة كلها أهون من إقالة رئيس الجمهوية ، وتحدثوا عن غياب الشفافية ، وحظر المعلومات عن الناس وعن الإعلام والتي تصحبها دائما غياب الحقائق ، باعتبار أن القائد الملهم يعرف أكثر من الجميع وهو منزه عن الهوى والخطأ والجهل ، تحدثوا عن تشكيل التنظيمات السياسية ذات الطابع الأمني لدعم النظام والسيطرة على الجامعات وعلى القضاء وعلى المؤسسة الدينية ، تحدثوا عن انتشار الدجل الإعلامي وغسيل المخ للبسطاء والحديث عن عصر البطولات وامتلاك أدوات وإرادة القوة الجبارة التي تقهر الأعداء وتخيف الدول العظمى نفسها ، من قبل كهنة محترفين في الصحف ووسائل الإعلام ، حتى أفاقت البلاد ـ عندما أفاقت ـ على الكارثة ، ولكن بعد فوات الأوان .
ينسبون إلى "كارل ماركس" العبارة الشهيرة : التاريخ يعيد نفسه ، في المرة الأولى كمأساة ، وفي المرة الثانية كمهزلة ، ونحن لا نحب لبلادنا وأوطاننا ، لا إعادة المأساة ، ولا إعادة المهزلة ، وأسأل الله أن تكون يونيه آخر النكسات ، وآخر الهزائم ، وأن يحفظ بلادنا من كل مكروه وسوء .

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

من تتوقع رئيس الوزراء القادم؟

  • شروق

    04:56 ص
  • فجر

    03:14

  • شروق

    04:56

  • ظهر

    12:01

  • عصر

    15:39

  • مغرب

    19:06

  • عشاء

    20:36

من الى