• الإثنين 20 أغسطس 2018
  • بتوقيت مصر07:13 ص
بحث متقدم

خالد محى الدين..ودارت الدائرة حقا.

مقالات

تظل مذكرات الشخصيات العامة وسيرهم الذاتية من أهم المصادرالتاريخية عن فترة ما أو حكم ما,ولا يمكن تصور إنسان يشارك في الحياة العامة بأي درجة من المشاركة ولم يقرأ السير الذاتية التي تركها القادة والمسئولين خلفهم بعد أن تركوا أماكنهم واحتضنهم التراب..واعتقد أن حالات التعثر السياسى المتكررة والمتشابهة_للأسف_ سببها الرئيسى عدم المعرفة بتجارب السابقين ممن مرت على عيونهم وجوه العبر  ولكن للأسف الشديد للمرة الثانية ,لا يقرؤون وليس لديهم حتى رغبة فى القراءة والمعرفة ليقوموا بنسخ الأخطاء السابقة وتكرارها هى..هى. ويحكون عن كافور الاخشيدى(905-968م) الذىكان عبدا وطباخا قبل ان يكون حاكما على مصر لمدة 21 عاما ,يحكون عنه ان كان كل ليلة تٌقرأ عليه سير الدولتين الأموية والعباسية أقول هذا الكلام وعيني على عشر كتب كتبها رجال عاشوا فى السلطة والسياسة من خلال حركة الضباط 1952م اغلبهم كانوا من الضباط الأحرار وأعضاء مجلس قيادة الثورة ,,ستجد أن محاور هذه المذكرات والتجارب تكاد تكون واحدة فى كل التجارب, ليس فقط لضيق المجال العام بسبب تسلط وقهر البكباشى أو لأنهم تخرجوا من كلية ذات تخصص محدد ودراسة محددة وفى موضوع محدد ,,و لكن لأنه وفى الأغلب كانت دوافعهم واحدة ومتقاربة الى حد كبير,,وذاتية وقاصرة ومغلقة إلى حد أكبر.وما بدا منهم عام 1952 كمحاولة توحيد للأمة انقلب إلى مجرد مغامرة تتميز بالهدم والتأمر والانحدار.
الكتب العشرة هى مذكرات عبد اللطيف بغدادى وهى أول ما صدر من هذه المذكرات وكانت فى السبعينيات وكانت أخطرهم وأشملهم وقال فيها كل حرف خطه قلم عن ذلك الموضوع ,,ثم الرئيس الأسبق محمد نجيب وتوالت بعدها الإصدارات مذكرات عبد المنعم عبد الرءوف والتى تكتسب أهميتها من انتماء صاحبها لجماعة الإخوان المسلمين ومن تأسيسه لتنظيم الضباط  داخل جماعة الإخوان والذى كان يرأسه الصاغ محمود لبيب وهم:
   يوزباشي عبد المنعم عبد الرؤوف يوزباشي جمال عبد الناصر حسين ملازم أول: كمال الدين حسين ملازم أول سعد حسن توفيق ملازم أول سعد حسن توفيق ملازم أول خالد محيي الدين/ ملازم أول حسين محمد أحمد حمودة ملازم أول صلاح الدين خليفة,, البكباشى طبعا كان عضوا فى كل التنظيمات السرية فى وقت واحد,أيضا لا ينسى لعبد الرءوف انه هو من حاصر قصر رأس التين لإجبار الملك على التنازل عن العرش. ثم أوراق يوسف صديق التى حررها د/ عبد العظيم رمضان ,ومذكرات جمال منصور والذى قضى أغلب عمره الوظيفى فى الخارجية والعمل الديبلوماسى..وموسوعة ثورة يوليو لجمال حماد..ومذكرات الملازم أول حسين حمودة..ومذكرات عبد الفتاح أبو الفضل(كنت نائبا لرئيس المخابرات)وأيضا مذكرات ثروت عكاشة (فى السياسة والثقافة)وأخرها كانت مذكرات خالد محي الدين(الآن أتكلم)..ليحكى لنا فيها تجربته فى نصف قرن من النضال الصادق أخلاقيا التافه سياسيا.
الراحل خالد محى الدين توفى يوم الأحد الماضى (1922-2018 م) تاركا وراءه تجربة هامة دونها فى مذكرات أصدرها(مركز الأهرام للترجمة والنشر)عام 1992 وهو بذلك يكون أخر ضابط من الضباط الأحرار الذين حكموا مصر باسم القوات المسلحة ما يزيد على نصف قرن.
أهمية مذكرات خالد محى الدين تأتى من أنها كتبت بعد مسافة زمنية طويلة من أحداثها مما يكسبها هدوء ورصانة ناهيك عن كونه عاش الحياة العامة طولا وعرضا ما يقرب من ستين عاما وبالتأكيد اكتسبت روايته روافد عديدة فى نصها وفكرتها من خلال هذه المعايشة الطويلة للبشر وحياة هؤلاء البشر بكل ما تحمله الحياة الإنسانية من صعود وهبوط وأتراح وأفراح وسلام وخصام وطموح وسكون وحركة ووقوة وضعف..(الحياة المستمرة ..الحياة التى تمر..) كما وصفها الشاعر الانجليزى.روبرت فروست(1874-1963)
سأشيرهنا إلى شخصية هامة وصفها الراحل خالد محى الدين وصفا بالغ القيمة لشخص بالغ الموهبة بالغ الإهمال من المؤرخين والكتاب إنه(الصاغ احمد المصرى)الضابط بسلاح الفرسان والذى كان من أوائل الطلائع التى شكلت تنظيم الضباط الأحرار والذى كان موعود بمصير مجيد لو صارت الأمور كما ينبغى لها,,كان ذو شخصية مستقلة وقيادية ويؤمن إيمانا عميقا بالديمقراطية وأنها السبيل الأفضل من اجل مصر وشعبها..يؤمن كما قال زميلة محمود حجازى (بما أكده التاريخ من فساد الحكم العسكري المطلق وأنه يودي بالبلاد وإن كان يخلق زعماء كما حدث مع نابليون في فرنسا وهتلر في المانيا‏...‏ الخ‏.‏ )أحمد المصرى كان له موقف عظيم مع البكباشى وهو عندهم فى السلاح فى اللقاء المعروف باجتماع(الميس الأخضر)فبعد أن ألقى كلمة فى الاجتماع مطالبا بالحريات العامة والديمقراطية والحياة النيابية وحرية الصحافة وحرية تعدد الأحزاب وانتقد التصرفات الشخصية لأعضاء مجلس الثورة أخلاقيا وماليا وطالب بإلغاء الترقيات الاستثنائية فى الجيش والعودة للاقدمية المطلقة  يعنى إبعاد عبد الحكيم عامر عن قيادة الجيش وعودته إلى رتبة الصاغ وهو ما لاقى ترحيب الجميع.. بعدها جاء البكباشى الذى منعه أمن المبنى من الدخول (لا أدرى أين كانت كاريزماه الآسرة الساحرة التى عجنوا وخبزوا منها أشهى الأكاذيب فى ثرثرات المقاهى المألوفة)المهم سمح له احمد المصرى بالدخول فدخل محاطا بحشد من حرسه الخاص وضباط المخابرات الحربية و شمس بدران وحسن التهامي..ويروى محمود حجازى:قلت لعبدالناصر لو كنت متصور إنك محتاج لحماية وجاء معك بدران والتهامي لحمايتك فستجلس معنا لأخذ واجب الضيافة ولن يكون هناك اجتماع..نحن لم ندع بدران والتهامي..وهاج الضباط وقال أحدهم هؤلاء سرقوا البلد وأنتم سرقتوا( سرة المحمل)فاضطروا بالفعل للخروج واستمر معنا عبدالناصر ودار حوار معنا حتي الثالثة صباحا,,خلال ساعات الاجتماع طالبنا عبدالناصر برجوع الجيش لثكناته وإجراء انتخابات وعمل دستور للبلاد وأثناء المناقشات قلت لعبدالناصر: هنقول إيه للشعب فصاح عبدالناصرغاضبا..كل حاجة تقول الشعب..مين فوضك تتكلم باسم الشعب..قلت إحنا برلمان الشعب ونحن علي أبواب ديكتاتورية عسكرية..) ثم قال مخاطبا الحضور:أولا وقبل كل شىء هل تثقون فى؟وجاء الرد ليكهرب الجو:هذا يتوقف على ما ستقوله,, وكان وقع الرد شديدا على البكباشى كما يروى الراحل خالد محي الدين..سنعرف بعدها أن البكباشى كان ممن يهتمون بالشخصى العابر ولايهتم بالفعل الموضوعى للمصالح والمخاط..وتحدث أحمد المصرى بقوة وبلاغة حفرت حقدا شديدا له عند البكباشى وهو ما سيكون بالغ السوء على الرجل بعدها وفعلا وكما يحكى الناس :الحقد فى القلب كالجمر المكنون يتطلع الى العلل مثل ما تتطلع النار إلى الحطب فإذا وجد عله استعر لها استعار النار فلا يطفئه حسن حديث ولا لين ولا رفق ولا مصانعة ,,وتطور النقاش ودخلت فيه أطراف أخرى(كان من ضمنهم الفريق إبراهيم العرابى الذى سيرأس أركان القوات المسلحة من 1983-1987 وهو على قيد الحياة أمد الله فى عمرة (77 عاما),,وتحولت النقاشات إلى جلسة استجوابات عاصفة وزاد الحديث عن المصروفات السرية والتصرفات الشخصية السفيهة لصلاح وجمال سالم ..وحوصر البكباشى بالاتهامات كما يقول خالد وحاول الخروج من المأزق بأن قال أنا شخصيا أتحدى أن ينسب إلى أى إنسان أى تصرف غير نزيه ورد احمد المصري: لكنك مسئول عن كل تصرف خاطئ يرتكبه أى واحد منهم . وأخذ النقاش منحى انتقادى شديد عن نهب أموال ومقتنيات اسرة محمد على (كل هذا فى سنتين من 52 لــ 54) ونقل بعضها لمنازل بعض الضباط وحملات الاعتقالات الواسعة ضد الإخوان والشيوعيين وهنا وقعت حادثة صغيرة تركت آثرا شديدا فى نفس البكباشى كما يقول خالد إذ تعالت أصوات الإنذار من دبابات متحركة وبدا هدير الدبابات يهز المكان وانتاب عبد الناصر الفزع وسقطت السيجارة من يده ونظره إلى أحمد المصرى نظرة تساؤل و(خوف) فقال له المصرى إنها دبابات عائده من خدمة الطوارىء وأرجوك أن تطمئن تماما فأنت هنا فى بيتك ويقول خالد: وبالرغم من حديث أحمد المصرى المفعم بالصدق ظل يحفظ هذا الموقف فى نفسه ولفترة طويلة وعندما انتهت عاصفة مارس بدأت مرحلة الانتقام..وبالفعل أقبح الناس من عرف بالشراسة واللؤم والجحود وقلة الوفاء والشكر والبعد عن الرحمة. 
وأختم  بموقف أخر(بالغ الدلالة عن شخصية البكباشى الذى كان يأكل جبنة وخيار !! كما حكى الكذابون)الموقف رواه الراحل خالد فى أخر صفحتين من الكتاب:بعد عودته من جنيف تلقى اتصالا من البكباشى يسلم عليه وسأله عن أمين ابنه,,وقال له هاته معاك وأنت جاى..أنا نفسى أشوفك..وذهبت إلى عبد الناصر مصطحبا أمين إبني الذى كان فى السادسة من عمره وعندما دخلنا بيت عبد الناصر فوجئ بـ (الأبهة والفخامة) فقال بعفوية الطفل أنت ليه ما عندكش كده ؟ ولم أجد إجابة.
وأخذت الأسئلة تكثر وأخذ الناس يبدون دهشتهم .‏


تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل تؤيد خطة تطوير التعليم في مصر؟

  • ظهر

    12:03 م
  • فجر

    03:59

  • شروق

    05:28

  • ظهر

    12:03

  • عصر

    15:41

  • مغرب

    18:38

  • عشاء

    20:08

من الى