• الأحد 27 مايو 2018
  • بتوقيت مصر01:52 م
بحث متقدم

ثبوت الهلال بين الرؤية البصرية والحسابات الفلكية (2)

أخبار الساعة

أحمد زكريا عبداللطيف
أحمد زكريا عبداللطيف

د. أحمد زكريا عبداللطيف

ثانيا: أدلة المذهب الثاني:
استدل القائلون بجواز إثبات الأهلة بالحسابات الفلكية بالكتاب والسنة والقياس والمعقول:
الدليل الأول: الكتاب:
لقد استدل أصحاب هذا القول بقوله تعالى: {الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ}(الرحمن :الآية 5)، وقوله تعالى: {وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى }( لقمان: الآية 29)، وقوله تعالى:{ هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ}( يونس: الآية 5).
وجه الدلالة: أن الله تعالى أخبر بأنه أجرى الشمس والقمر بحساب لا يضطرب، وجعلهما آيتين وقدرهما منازل؛ لنعتبر، عدد السنين والحساب، فإذا علم جماعةٌ بالحساب وجود الهلال يقيناً، وإن لم تمكن رؤيته بعد غروب شمس التاسع والعشرين أو وجوده مع إمكان الرؤية لولا المانع، وأخبرنا بذلك جماعة منهم يبلغ عددهم التواتر، وجب قبول خبرهم؛ لبنائه على يقين، واستحالة الكذب على المخبرين؛ لبلوغهم حد التواتر، وعلى تقدير أنهم لم يبلغوا حد التواتر وكانوا عدولاً فخبرهم يفيد غلبة الظن، وهي كافية في بناء أحكام العبادات عليها. مجموعة علماء: أبحاث هيئة كبار العلماء (3/35-45).
مناقشة هذا الدليل:
أن الاستدلال بحساب سير الشمس والقمر على تقدير أوقات العبادات غير مُسلم؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم وهو أعلم الخلق بتفسير كتاب الله عز وجل لم يعلق بداية الشهر ونهايته بعلم الحساب، وإنما أناط ذلك برؤية الهلال أو إكمال العدة في حال الغيم، فوجب الاقتصار على ذلك، مما يقطع بأن العلة ليست هي مجرد مطلع الهلال، وإنما هي أخص من ذلك، ألا وهي: تحقق الرؤية البصرية، وبهذا ألغى الشارع الحكيم اعتبار الوجود العلمي للهلال علة للصوم أو الفطر، وأكد على أن الوجود الحسي البصري هو العلة، وليس ذلك لأن قوة درجة الحساب الفلكي في الإثبات أقل من درجة الشهادة على الرؤية، أو لعدم صحة مقدمات ونظريات علم الفلك ولكن رحمة الله بعباده اقتضت أن ينيط أسباب عبادتهم وعللها بأمور حسية ملموسة لكل المكلفين، دفعاً للحرج والمشقة عن الناس، وأن تكون علل الأحكام وأسبابها ثابتة وحسية وعامة يسهل إدراكها لجميع المكلفين دون مشقة، وألا ترتبط هذه العبادات بأمور عقلية علمية معنوية ولا يدركها كل الناس، وذلك حتى يتحقق عموم العلة مع عموم التكليف، ويسر إدراكها مع يسر أدائه.
الدليل الثاني: السنة:
قول النبي صلى الله عليه وسلم (إنّا أُمَّةٌ أُمِّيةٌ لا نَكتُبُ ولا نَحسُبُ، الشهرُ هكذا وهكذا. 
وجه الدلالة: أن الأمر باعتماد رؤية الهلال، ليس لأن رؤيته هي في ذاتها عبادة، أو أن فيها معنى التعبد، بل لأنها هي الوسيلة الممكنة الميسورة إذ ذاك، لمعرفة بدء الشهر القمري ونهايته لمن يكونون كذلك، أي: أميين لا علم لهم بالكتابة والحساب الفلكي.
وهذا مستفاد من مفهوم النص الشرعي نفسه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقومه العرب إذ ذاك لو كانوا من أهل العلم بالكتابة والحساب بحيث يستطيعون أن يرصدوا الأجرام الفلكية، ويضبطوا بالكتاب والحساب دوراتها المنتظمة التي نظمتها قدرة الله العليم القدير بصورة لا تختل، ولا تختلف، حتى يعرفوا مسبقاً بالحساب متى يهل بالهلال الجديد، فينتهي الشهر السابق ويبدأ اللاحق، لاعتمدوا الحساب الفلكي. وكذا كل من يصل لديهم هذا العلم من الدقة والانضباط إلى الدرجة التي يوثق بها ويطمئن إلى صحتها.
وهذا أوثق وأضبط في إثبات الهلال من الاعتماد على شاهدين ليسا معصومين من الوهم وخداع البصر، وكذلك الحساب الفلكي أوثق وأضبط من الاعتماد على شاهد واحد عندما يكون الجو غير صحو والرؤية عسيرة، كما عليه بعض المذاهب المعتبرة في هذا الحال.
مناقشة هذا الدليل:
إن وصف الأمة بأنها أمِّية لا يزال قائماً بالنسبة لعلم سير الشمس ومنازل القمر ومواقع النجوم، فالعلماء به نزرٌ يسير، والذي كثر إنما هو آلات الرصد وأجهزته، وهي مما يساعد على رؤية الهلال في وقته، ولا مانع من الاستعانة بها على الرؤية وإثبات الشهر بها، كما يستعان بالآلات على سماع الأصوات، وعلى رؤية المبصرات، ولو فُرض زوال وصف الأمية عن الأمة في الحساب لم يجز الاعتماد عليه في إثبات الأهلة؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم علق الحكم بالرؤية، أو إكمال العدة، ولم يأمر بالرجوع إلى الحساب واستمر عمل المسلمين على ذلك بعده.
الدليل الثالث: القياس:
إن الفقهاء يرجعون في كثير من شئونهم إلى الخبرة، فيرجعون إلى الأطباء في فطر المريض في رمضان، وتقدير مدة التأجيل في العنين، وإلى أهل اللغة في تفسير نصوص الكتاب والسنة، إلى غير ذلك من الشئون، فليرجعوا في معرفة بدء الشهور القمرية ونهايتها إلى علماء الفلك، فهم أهل علم وخبرة، وقولهم أقرب إلى الصحة من رؤية أفراد يحتمل فيهم الخطأ والكذب.
مناقشة هذا الدليل:
هذا قياس مع الفارق؛ لأن الشرع إنما أمر بالرجوع إلى أهل الخبرة في اختصاصهم في المسائل التي لا نص فيها. أما إثبات الأهلة فقد ورد فيه النص باعتبار الرؤية فقط، أو إكمال العدة دون الرجوع فيه إلى غير ذلك.
ويرد عليه:
بأن النص الوارد في إثبات الرؤية هو من النصوص التي تحتاج إلى تأويل خاصة وأنه لم يعد في زماننا هذا الاقتصار على الرؤية ويوجد ما يقوم مقامها وهو الحسابات الفلكية الدقيقة, فقد علل نبينا صلى الله عليه وسلم ذلك بأن الأمة كانت لا تعرف الحساب وقد وجد اليوم من يعرف تفاصيله فلماذا لا نعتمد عليه.
الدليل الرابع: المعقول:
إن توقيت بدء الشهر القمري ونهايته، لا يختلف عن توقيت الصلوات الخمس وبدء صوم كل يوم ونهايته، وقد اعتبر الناس حساب المنازل علمياً في الصلوات والصيام اليومي، لقول الله تعالى {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ} (الإسراء: الآية 78)، فليعتبروه في بدء الشهر ونهايته، إذ لا فرق بين الأمرين، ومن فرق بين الأخذ بالحساب الفلكي في تحديد أوقات الصلوات، وبين إثبات دخول الهلال لم يأت بدليل صحيح. بل إن الأخذ بالحساب الفلكي واعتباره في تحديد أوقات الصلوات أعظم من اعتباره في إثبات دخول الهلال؛ وذلك لأن الصلاة تتكرر خمس مرات في اليوم والليلة، بخلاف إثبات دخول الهلال فيكون كل شهر، والصلاة أعظم.
مناقشة هذا الدليل:
إن الشرع أناط الحكم في الأوقات بدخولها، قال تعالى: {أقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ} (الإسراء: الآية 78)، وقال: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى الليل}(البقرة:187)، وفصلت السنة ذلك، وأناطت وجوب صوم رمضان برؤية الهلال، ولم تعلق الحكم في شيء من ذلك على حساب المنازل، وإنما العبرة بدليل الحكم.
الدليل الخامس: إن علم الحساب مبني على مقدمات يقينية، فكان الاعتماد عليه في إثبات الشهور القمرية أقرب إلى الصواب، من الاعتماد على الرؤية البصرية، التي تحتمل الخطأ والكذب والنسيان، وفي هذا تحقيق للوحدة بين المسلمين في نسكهم وأعيادهم.
الترجيح:
بعد النظر في أدلة كل من الفريقين، والمناقشات التي جرت بينهم، وكذلك آراء العلماء المعاصرين في الأخذ باعتماد الحسابات الفلكية يتضح للباحث أن القول بالأخذ بالحسابات الفلكية هو الأقرب للصواب وذلك للأسباب الآتية:
1. أن الحساب الفلكي قطعي، لا يحتمل الخطأ، كما ثبت ذلك بالتجربة والمشاهدة، بخلاف الرؤية البصرية، فهي تحتمل الخطأ والكذب.
2. أن النبي صلى الله عليه وسلم علل الاعتماد على الرؤية، بأن الأمة أمية، فقد ربط الكتابة والحساب بالشهور، ليدلنا على إمكانية استخدام الحساب في تحديد الشهور إذا توفر ذلك العلم.
3. ليس في هذا القول مخالفة للنصوص الشرعية، لأن الأحاديث الواردة في هذه المسألة، تحدد كيفية إثبات دخول الشهر القمري، وكيفية العمل إذا اشتبهت الرؤية، وليس فيها المنع من استخدام أي طريقة أخرى لإثبات الرؤية.
4. إن دلالة قوله تعالى: { فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} (النحل:43) تحثنا على الرجوع لأهل الاختصاص والخبرة، عن طريق الحسابات الفلكية ذات النتائج اليقينية. 
5. ولقد نقل القليوبي من فقهاء الشافعية عن العبادي قوله: "إذا دل الحساب القطعي على عدم رؤية الهلال لم يقبل قول العدول برؤيته، وترد شهادتهم"، ثم قال القليوبي: "هذا ظاهر جلي، ولا يجوز الصوم حينئذ، وإن مخالفة ذلك معاندة ومكابرة".وقد كان هذا في القرن السابع عشر الميلادي، فكيف والحال أن الحسابات باتت يقينية في القرن الحادي والعشرين، وهل من عذر لنا اليوم في رفض نتائج هذه الحسابات، وقد أخذ بها علماؤنا منذ مئات السنين. 
إضافة إلى ما سبق من أسباب الترجيح فقد رجح الدكتور حسام الدين بن موسى عفانة، في موسوعته: "يسألونك" القول باعتماد الحسابات الفلكية في إثبات الأهلة ، وقد عزا ذلك إلى تطور وسائل الاتصال في زماننا هذا".
مع التنويه إلى ضرورة الأخذ بعين الاعتبار بالرؤية البصرية، وعدم إهمالها في إثبات الأهلة، لجريان العمل بها أزمانا طويلة، بحيث تتعاضد وتتوحد الرؤية البصرية مع الحساب الفلكي، ليكون ذلك أدعى إلى اجتماع الأمة ووحدة كلمتها, خاصة وأن الخلاف لم يحسم بعد وهو قائم إلى حين كتابة هذه الأطروحة.
مسألة: الأخذ بالحساب الفلكي في النفي فقط:
ثمة فريق من العلماء المعاصرين حاول التقريب بين من يدعو لرد الحساب، أو اعتماده عند تعارض نتيجته مع الرؤية، وبين من يدعو لاعتماد الحساب وحده وترك الرؤية.
يتمثل رأي هؤلاء العلماء، وعلى رأسهم العلامة يوسف القرضاوي، والعلامة مصطفى الزرقا، بالأخذ بالحساب الفلكي القطعي في النفي لا في الإثبات، "تقليلاً للاختلاف الشاسع الذي يحدث كل سنة في بدء الصيام وفي عيد الفطر"، وهو موقف دار الإفتاء المصرية أيضاً. 
ومفاد الأخذ بالحساب في النفي أن نظل على إثبات الهلال بالرؤية، ولكن إذا نفى الحساب إمكان الرؤية، وقال إنها غير ممكنة، لأن الهلال لم يولد أصلاً في أي مكان من العالم الإسلامي، كان الواجب ألا تقبل شهادة الشهود بحال، لأن الواقع الذي أثبته علم الحساب القطعي يكذبهم، وفي هذه الحالة لا يطلب ترائي الهلال من الناس أصلاً، ولا تفتح المحاكم الشرعية ولا دور الفتوى أو الشؤون الدينية أبوابها لمن يريد أن يدلي بشهادة عن رؤية الهلال.
وقد ذكر أحد كبار الفقهاء الشافعية، وهو الإمام تقي الدين السبكي (ت 756هـ(، في فتاواه أن الحساب إذا نفى إمكان الرؤية البصرية، فالواجب على القاضي أن يرد شهادة الشهود، لأن الحساب قطعي والشهادة والخبر ظنيان، والظني لا يعارض القطعي، فضلاً عن أن يقدم عليه.
وقد كان للشيخ محمد مصطفى المراغي، شيخ الأزهر الشهير في وقته رأي ـ حين كان رئيسًا للمحكمة العليا الشرعية ـ مثل رأي السبكي، برد شهادة الشهود إذا نفى الحساب إمكان الرؤية.


تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل تتوقع غياب «صلاح» عن كأس العالم؟

  • عصر

    03:36 م
  • فجر

    03:19

  • شروق

    04:58

  • ظهر

    11:57

  • عصر

    15:36

  • مغرب

    18:56

  • عشاء

    20:26

من الى