• الإثنين 21 مايو 2018
  • بتوقيت مصر09:11 ص
بحث متقدم

ورحل الفارس النبيل

وجهة نظر

أحمد خطاب
أحمد خطاب

أحمد خطاب

ودعت مصر أحد نخبتها القلائل؛ الذي مارس السياسة بدماثة خلق، فلا تسطيع إلا أن تحترمه - وأنت تختلف مع ما يطرحه من أفكار - ولا تجد غضاضة في أن تصفه بالنبيل أخلاقًا - دون مبالغة - فقد تعاطى السياسة ومارسها بنبل ورقي، زعيم منبر اليسار المصري، ومؤسس حزب التجمع الأستاذ (خالد محيي الدين)، الرجل الذي عاش متسقًا مع أفكاره، متأثرًا بنشأته طفلًا في بيئة صوفية، جعلت جزءًا من بيتها تكية للفقراء، فظل محبوبًا من أهل قريته ودائرته ولربما من كل من تعامل معه واحتك به - حتى من فرقائه - وكذا بعد أن انزوى واعتزل المعترك السياسي طوعًا عام 2002م.
الصاغ (خالد محي الدين) قائد سلاح الفرسان، وأحد الضباط الأحرار، ورئيس وزراء مصر المستقيل، الفارس النبيل الذي عارض كل الأنظمة؛ فحرمت الساحة المصرية من رجل يمارس السياسة بأخلاقه وإنسانيته، عارض عبد الناصر؛ فوصفه بالصاغ الأحمر؛ ونفاه عن وطنه الذي أحبه، وعارض كامب ديفيد وسياسة الانفتاح؛ فوصفه السادات بعميل موسكو، وعارض مبارك، ورفض أن يكون سنيدًا في انتخابات رئاسية شكلية.
لن ينسى التاريخ للراحل (خالد محي الدين) مواقفه التاريخية التي اتسق فيها مع مبادئه وأفكاره؛ فناصر الوطن لا الأشخاص، واشتبك مع رفقائه من الضباط الأحرار برؤيته ثورة يوليو؛ التي كان يرى مهمتها في إقامة الدولة المدنية الديمقراطية، عن طريق حكومة مدنية ينتخبها الشعب، وينسحب على إثرها الجيش إلى ثكناته تاركًا معترك السياسة، وارتفعت حدة اشتباكه معهم فاستقال من مجلس قيادة الثورة على إثر أحداث 1954م التي وقف فيها بفرسان سلاحه مناصرًا للرئيس (محمد نجيب) فنفاه عبد الناصر خارج مصر.
عاد إلى مصر في 1957م، محاولًا التغيير من داخل مجلس الأمة؛ ففاز بمقعد عن دائرة بلدته (كفر شكر)، وعمل بالصحافة رئيسًا لمجلس إدارة وتحرير أخبار اليوم قرابة العام، وعندما سمح (السادات) بعودة التنوع الشكلي في صورة المنابر، تزعم (محيي الدين) منبر اليسار، ثم أسس حزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي، فجمع فيه معظم أشكال اليسار المصري بتنوعاته، واستطاع قيادة التجمع لسنوات على الرغم من التباين الفكري بين رؤى أعضائه، ولحب أهل دائرته له؛ احتفظ بمقعده النيابي عن دائرة بلدته خمسة عشر عامًا.
دون (خالد محي الدين) مذكراته التي كتبها بشفافية لم يتنازل فيها عن نبل أخلاقه، في كتابه "الأن أتكلم" فسجل بكل صراحة كثيرًا من الخفايا والمؤامرات التي حيكت ضد الشعب في سياقها، في كتاب كاشف لحقبة بها كثير من الخفايا والأسرار كان هو أحد شهودها، ولم ينزلق قلمه في أثناء التدوين لغير المصارحة والمكاشفة، وهو كتاب لا يستغنى عن استصحاب ما ورد فيه لفهم الحالة المصرية.
شاءت ظروف نشأتي في بيت يساري أن ألتقي الأستاذ (خالد محيي الدين) أكثر من مرة إحداها ضيفًا في بيتنا، في أثناء زيارة حزبية لمركز (أرمنت) عام 1980م، فكان الرجل مثالًا للتواضع ودماثة الخلق في التعامل مع الصغير والكبير، وكانت الآلة الإعلامية ساعتها على الرغم من قلة وسائلها قد رسمت عن الرجل صورة ذهنية في العقل الجمعي؛ جعلت كثيرًا من الناس يستغرب بدء زيارته من مسجد (أرمنت العتيق) عقب صلاة الجمعة، بل وجعلتني - وأنا الطفل - أستغرب طلبه لسجادة صلاة في بيتنا ليؤدي صلاة العصر.
كنت دومًا – على الرغم من اختلافي مع أطروحاته لا مع ممارساته - أقول إن النخبة السياسية في مصر لو مارست السياسة بأخلاق وتعاطي (خالد محيي الدين) لتغيرت كثير من الأحداث والمواقف؛ ولدون التاريخ صفحات ناصعة عن التعاطي السياسي للنخبة المصرية.
فرحم الله الفارس النبيل (خالد محيي الدين) وخالص العزاء لأسرته وتلامذته ومحبيه.


أحمد خطاب
صحفي


تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل تتوقع زيادة أسعار السلع الفترة المقبلة؟

  • ظهر

    11:56 ص
  • فجر

    03:24

  • شروق

    05:01

  • ظهر

    11:56

  • عصر

    15:36

  • مغرب

    18:52

  • عشاء

    20:22

من الى