• الثلاثاء 21 أغسطس 2018
  • بتوقيت مصر02:34 ص
بحث متقدم

العدو الضرورة..إبقاؤه..أو إختراعه!

مقالات

العدو حاجة قومية مٌلحًة, إنه عقار قوي لبقاء الدولة أو المجتمع ولاستمرارية نظام ما ,وهو من أنجح العوامل التي تبلورالهوية القومية..هكذا يقول(بيار كونيسا)فى كتابه(صنع العدو)والذى يرى أيضا أن العدو يقدم خدمات جليلة فهو يعمل مهدئا لقلقنا الجماعي الذي لا بد من تهدئته بإيجاد عدو حقيقي أوخيالى,,العدو ضروري من أجل صهر الأمة وشد أجزائها إلى بعضها البعض إزاء خطر خارجي وبذلك يتحقق تجاوز التناقضات الداخلية المهيأة في كل آن للانفجار,,العدو يؤدى دوراً هاما في الدول المتقدمة أيضا لأنه يقوم بتشغيل ماكينة الصناعات العسكرية والعلمية وتفريغ فائض القوة والإنتاج لديها,,وفي الأنظمة الاستبدادية الشمولية التي تواجه مصاعب داخلية وأخرى في بنية النظام يكون ضرورة إستراتيجية كبرى كونه يمثل مخرجا من تلك الأزمات,,لأنه لا صوت يعلو فوق صوت المعركة.
من هو بيار كونيسا هذا إذن؟ إنه الأستاذ في المدرسة الوطنية للإدارة الفرنسية(المدرسة الوطنية من أعرق المدارس العليا الفرنسية أنشأها عام 1945 ميشال دوبريه رئيس الوزراء الفرنسى بتوجية من ديجول الرئيس الفرنسى وقتها  ذلك انه كان ممن يرون بحق أن كل عز لا يوطده علم مذلة وكل علم لا يوطده عقل مضلة وكأنه سمع نصيحة الفاروق عمر:تفقهوا قبل أن تسودوا,,المدرسة الوطنية أيها الأصدقاء تسعى إلى دمقرطة الوصول إلى المناصب المدنية العليا(المعنى العميق للجمهورية)وتقوم باختيار وتدريب كبار المسئولين الفرنسيين وهي من أكثر المدارس الفرنسية نخبوية بسبب صعوبة معاييرالقبول بها ولأن الغالبية العظمى من مرشحيها يكونوا قد تخرجوا بالفعل من أفضل المدارس العليا في البلاد وهى تؤهل كبار الموظفين الفرنسيين والأجانب أيضا للوظائف العامة ومن أبرز خريجيها الرئيس الفرنسي الحالى إيمانويل ماكرون وجاك شيراك وجيسكار ديستان الرؤساء السابقين)كونيسا يعمل أيضا أستاذا في معهد العلوم السياسية وشغل منصب هام فى مفوضية الشؤون الإستراتيجية بوزارة الدفاع الفرنسية ومدير ما يعرف بــ(الشركة الأوروبية للذكاء الاستراتيجي)وهو لفت الأنظار إليه أكثر حين أعد تقريرا واسعا عن السياسة الواجب اتخاذها تجاه التطرف والأعمال الإرهابية فى فرنسا مؤخرا وتجاه الأفكار الراديكالية بصفة عامة..وله كتاب أيضا بعنوان غريب: (دليل الجنة) ستفهم من مطالعتك للكتاب أنه ملحد وأنه يسخر بخباثة من العمليات الاستشهادية التى كانت قد أخذت معدلا متزايدا فى هذا الوقت(2003)..سنرى انه سيقوم ينفس الدور الذى سينقده بعد عشر سنوات فى كتاب(صنع العدو) وهو شيطنة (الأخر),هذا الذى لا يملك كما نقل هو عن احد المجاهدين الفلسطينيين اختيار أخر:نحن لا نملك القنابل ولا المدرعات ولا الصواريخ ولا الطائرات ولا الهليكوبتر مبرراً العمليات التى تعاظمت من عام 2001 م ,,ويتساءل كونيسا عما إذا كان هذا الإعلان عن حرب غير متكافئة يفسر التنامي الخطير لتلك العمليات؟فى كتابه(دليل الجنة) يشيرمن بعيد لبعيد(بخباثة) إلى أن دوافع هذا الشاب الاستشهادي ليست قضية وطن وشعب واحتلال من مغتصب لأرضه وأرض أجداده,, بل قضية الحور العين وانهار اللبن والخمر,,على أى الأحوال سنقرأ له هنا فى كتابه(صنع العدو)الذى صدر عام 2011 عن المركز العربى للأبحاث ودراسة السياسات وترجمة الاكاديمى السورى د/ نبيل عجان,,سنقرأ له أراء أكثر نضجا وتوازنا وموضوعيه فى تعريف الأمور وتحديدها وشرحها.
يقول المؤلف أن فكرة الكتاب جاءته وقت عمله مستشارا في وزارة الدفاع الفرنسية فى التسعينيات,فقد تقسم الاتحاد السوفيتي وأصبحنا من دون عدو,ويضيف بمنتهى الصراحة:ومع غياب العدو إما أن تصرف موظفيك,,وإما أن تصنع عدوا,,ويضيف:وعملية صنع العدو تتم عبر مراحل عدة تبدأ ببناء إيديولوجيا إستراتيجية محددة(فى النهاية لابد من إيديولوجية أيها الأصدقاء)وخطاب قوى ومثير وصناع رأي( خاصة من النجوم)وآليات صعود نحو العنف والتى هى بدون أسباب موضوعية فى معظم الأوقات,ويضرب  مثلاً بــ 11 سبتمبر 2001  حين حول فريق عمل الرئيس الامريكى الأسبق بوش الأنظار إلى العدو الإيراني والعراقي وكوريا الشمالية(هكذا مرة واحدة!!) لينتقم منهم أجمعين مع العلم أن هذه الدول لم تكن لها علاقة بما جرى ويجرى وسيجرى. 
سينقل لنا الكاتب(الموسوعى الثقافة على فكره)بالطبع رأى فيلسوف المثالية الشهيرفريدريش هيجل(1770- 1831) أنه دون احتمال الحرب والتضحيات التي تتطلبها هذه الحرب سيصبح الإنسان لين العريكة ومستغرقاً في شهواته وسيتدهورالمجتمع ويصبح مستنقعا للملذات وعلى نفس الخطى سيسير ..وهذا الكلام صحيح تماما لكن تطبيقاته من الممكن أن تكون اقل عنفا وشراسة مما هى عليه الآن ا, بالأحرى مما طبقها الغرب, وينقل أيضا عن الفيلسوف الألمانى مارتن هيدجر(1889- 1976)صاحب الكتاب الشهير(الوجود والزمان)وأحد من حدثنا عنهم كثيرا أستاذنا العظيم د/عبد الوهاب المسيرى ,هايدجر يقول فى هذا المعنى(العدو /الحرب):الإنسان يجب عليه أن يخلق لنفسه عدوه الذاتي,كي لا يسقط في العطالة,وكل ما هو موجود فى الحياة يخضع لمبدأ الصراع وحيث لا وجود للصراع والهيمنة هناك تفسخ وتحلل وانهيار في المجتمع.
سيؤكد لنا المؤلف أيضا أنه فى كل دولة سنجد مراكز التخطيط والتفكيرالإستراتيجي والأجهزة الأمنية والمثقفين وصناع الرأي والإعلام بكل أشكاله والذى يشتغل جميعهم على فكرة( صنع العدو)..وأهمهم بالطبع(المثقف)الذى سيحدد العدو ويحضر الرأي العام للحرب ويمكن للأكليروس أيضا(المؤسسة الدينية)أن يقوم بهذا الدور..وعندما يصبح الرأي العام حاضرا لقبول فكرة الحرب,,تكون الحرب,,وعلى ذكر الدين والأكليروس كان الشيخ الشعراوى رحمه الله يقول : أتمني أن يصل الدين إلى أهل السياسة .. ولا يصل أهل الدين إلى السياسة.
لا أحد يقتل من دون مبرر داخلي يجعله يطمئن إلى فعلته الشنيعة فيتصورها رحمة وإنسانية وغير ذلك من أوهام كما يقول المؤلف,,وهذه المبررات قد يخلقها عنده الدين أوالإيديولوجيات أوالعصبية والعرقية المهم أن القاتل ـ مع خلفيته المسبقة هذه عن سبب القتل ـ سيكون مرتاح الضمير ذلك أنه أوجد لنفسه قبل ذهابه إلى الحرب عدوا يكون قتله مبررا.
فى الكتاب تصنيف نوعى للأعداء الذين يدرجهم فى ثمانية أنواع:العدو القريب:الجيران ونزاعات الحدود بين الدول المتجاورة/العدو العالمي:وهو المنافس في خصومة قوتين تعطيان لنفسيهما نزعة عالمية كما في حالة الحرب الباردة بين أمريكا وروسيا/العدو الحميم: أي الحرب الأهلية والتي تبدأ عبر الكلمات وتنتهي بالقتل الوقائى أنْ نقتل قبل أن نُقتل..وهى أخطرهم بالطبع وهى أيضا ما تكابده المنطقة العربية فى هذا العصر الأسيف البائس من تاريخنا الحديث الأكثر أسفا وبؤسا..يصف الكاتب الحرب الأهلية بأنها حالة صراع الـ (هُم) في مواجهة الـ (نحن) في فضاء مغلق وهو المجتمع والوطن مع العلم أن الفريقين متشابهين فى كل شىء تقريبا,فالحرب الأهلية قبل كل شيء ترخيص ممنوح شرعيا لقتل ناس نعرفهم وكنا نعيش معهم وبهم,,لكنهم يتحولون فجأة إلى(مطاريد) يجب تعقبها والقضاء عليها/العدو البربري:وهو الشعب المستعمَر في نظر المستعمِرمثل فرنسا فى أفريقيا مثلا/العدو المحجوب:وهوالنتاج الطبيعى لنظرية المؤامرة والاعتقاد بوجود(قوى خفية)تحرك الشعوب وتحدد مصيرها/حرب الخير ضد الشر: وهذه الحرب لا تقتصر على النزاعات الدينية فقط بل هى حرب الأنظمة الشمولية والعلمانية في القرن العشرين..ويقول الكاتب كلمة قوية وبالغة الدلالة: فالأيديولوجيات قاتلة مثل الديانات ويصبح فيها الآخرهو الشرالمطلق بل هو الشيطان نفسه/العدو الـمتصَور:وهو عمل إمبريالي بامتياز للقوى العظمى حين لا تجد عدوا يجاريها فتعلن الحرب الشاملة ضد مفاهيم معينة مثل الحرب ضد الإرهاب وضد انتشار أسلحة الدمار الشامل/العدو الإعلامي:وهو يشكل الحالة الأحدث في الفراغ الأيديولوجي والاستراتيجي لمرحلة ما بعد الحداثة فى كل المجالات,,ستتفوق الصورة على النص..فلا يوجد نص أصلا أيها الأصدقاء,بل يتم كتابة النص عادة بعد التقاط الصورة لتكوين ما يعرف بالرأى العام والذى هو بالفعل كما قال (توماس كارلايل ) أكبر كذبة في التاريخ. 
وأختم بجملة هامة ومفعمة بالمعنى أوردها الكاتب نقلا عن الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشة(1844-1900):من يحيا على محاربة عدوه فمن مصلحته أن يدعه يعيش..فيجب أن لا يكون العدو مستهدفا بالقتل دائما وفى كل الأوقات,,ذاك أن من مصلحة القاتل أن يبقي في عدوه رمقا يستمد منه حياته وحيويته ومبرر وجوده وبناؤه العسكري والسياسي والأيديولوجي ,,وفى النهاية لكل عمل ثمرة من الثواب والعقاب مهما طال الزمن والغادر مأخوذ بغدره عاجلا أم أجلا كما قال الفيلسوف بيدبا فى (كليلة ودمنة)

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل تؤيد خطة تطوير التعليم في مصر؟

  • فجر

    04:00 ص
  • فجر

    04:00

  • شروق

    05:29

  • ظهر

    12:03

  • عصر

    15:40

  • مغرب

    18:37

  • عشاء

    20:07

من الى