• الأربعاء 17 أكتوبر 2018
  • بتوقيت مصر02:39 ص
بحث متقدم

الثامن عشر من ابريل 1954

مقالات

هذا تاريخ يوم من أصعب أيام مصر فى تاريخها المعاصر يوم خوان..كذاب..يوم الحق الضائع, كما قال الشاعر الحزين صلاح عبد الصبور,انه اليوم الذى تولى فيه (البكباشى) رئاسة الوزراء بعد مظاهرات مارس الشهيرة التى خرج فيها المصريون يطالبون بالديمقراطية والحرية وعودة الأحزاب والبرلمان وبقاء محمد نجيب رئيسا كصمام أمان لهؤلاء الضباط الشبان وشهوتهم الجامحة للحكم والسلطة..كانت تلك المظاهرات فى حقيقتها نبضا حقيقيا لوعى المصريين بزمانهم وأحوالهم وأفكارهم التى صاغوها وصاغتهم ,والتى تكاد تكون امتدادا تاريخيا حيا لثورة 1919 لكن هيهات هيهات أيها الأصدقاء فالخمسة والثلاثون عاما الفارقة بينهما جرى فيها ألف خبر وخبر ووضع فيها ألف حجر وحجر. 
 المهم أنه فى 18 أبريل 1954 تولى البكباشى رئاسة مجلس الوزراء واقتصر دورالرئيس محمد نجيب على رئاسة الجمهورية  بلا أى صلاحيات بعد صراع مرير مع البكباشى الذى قال فى خطاب ترحيب به حين زار قريته بنى مر وهو رئيس للبلاد :أمنا بك فقد حررتنا من الفزع والخوف أمنا بك مصلحا لمصر,سر أيها القائد ونحن جنودك. سيكون علينا هنا أن نتذكر ونتذكر جيدا أن البكباشى كان أول وزير داخليه لمصر بعد حركة الضباط ومكث فيها شهرا واحدا أمسك فيه بكل خيوط البوليس السياسى ,وما أدراك ما البوليس السياسي.. كان الانجليز هم من أسس أول جهاز للأمن السياسى فى مصر عام 1913 لتتبع الوطنيين والثوار وهو ما يجعله  أقدم جهاز من نوعه في الشرق الأوسط. استعان الإنكليز في إنشائه بضباط البوليس المصري وتولى إدارته لأول مرة اللواء سليم زكي حكمدار القاهرة والقريب من الانجليز..وبعد توقيع معاهدة 1936 تشكلت إدارتان للبوليس السياسى فى القاهرة و/ الإسكندرية وأضيف إليه ما عرف بــ (القسم المخصوص)والذى كان يتبع الملك فاروق مباشرة ويرأسه قائد البوليس الملكي نفسه ولم يكن لوزارة الداخلية أية ولاية عليه وبعد هذا الشهر الأسود الذى مكثه البكباشى وزيرا للداخلية أصبح يتلقى الأوامر منه مباشرة ..وبإمكانك أيها المصرى العظيم ان تقول ودون أى وخزة فى ضميرك التاريخى أن هذا القسم المخصوص كان هو الأداة الرئيسية والنافذة التى مكنت البكباشى من رقاب الجميع ..دعك من أى أكاذيب أخرى فى كل حكاية قيلت حول سيطرة هذا الرجل على الجميع , إلى أن جرت محاولة الاغتيال الشهيرة فى ميدان  المنشية 26 أكتوبر 1954 .. وفي 14 نوفمبر 1954 تم إعفاء الرئيس محمد نجيب من جميع مناصبه ويبقى منصب رئيس الجمهورية شاغراً وليستمر مجلس قيادة الثورة في تولى كافة سلطاته(الرئيس) بقيادة البكباشي إلى أن تولى الرئاسة فى 24/6/ 1956 لتبدأ مصر فصلاً من أكثر فصولها التاريخية بؤسا وعطنا وركودا وجهلا وقهرا وفقرا فى كل شىء. 
في كتابه (الديمقراطية ونظام 23 يوليو) يرصد المستشار طارق البشرى تجربة (الدولة الحديثة) فى مصر بعد حركة الضباط المباركة . 
من الأمور التى ستجذب انتباهنا فى كتاب الحكيم البشرى ..هو كيف كان يرى ضباط يوليو الحياة السياسية والحزبية قبل انقلابهم/ثورتهم وسخطهم عليها وتنقلهم بين العديد من الأحزاب والحركات السياسية والجمعيات ثم استقلالهم عنها وتكوين حركة (الضباط الأحرار) متجاوزين فيها أي خلافات أيديولوجية بينهم وقصر أهداف الحركة على نقاط اتفاق عام ..وهو ما لم يحدث فى الحقيقة فقد ظل كل منهم على ولائه الأيديولوجي والعقائدي .وإن تميز عنهم جمال وعامر وأنور.. بأن يكون الولاء والانتماء( للنفس) فقط  وما تحويه تلك النفس من عقد وصراعات لم يتصالحوا أبدًا معها وظلوا يحملونها على رءوسهم وفى جيوبهم وهم يحكموننا قهرا وإذلالا.
يرصد الحكيم البشرى بعين المؤرخ والفقيه..أن النظام/الدولة كان قد جمع في قبضة يديه السلطات الثلاث(التنفيذية والتشريعية والقضائية)محركا إياها بواسطة الجهاز الأهم والأخطر..الجهاز الإداري للدولة 
هيمن البكباشى ودائرته المغلقة على السلطة(التنفيذية) مباشرة بتعيين(رجاله)سواء من ضباط الجيش أو المدنيين واستولى على السلطة (التشريعية) وهيمن عليها في السنوات( القليلة) التي تشكل فيها مجلس نيابي وذلك بإصدار قانون انتخاب يشترط لقبول أوراق المرشح في المجلس أن يكون عضوًا في التنظيم السياسي الذي أنشأه النظام نفسه (الاتحاد القومي حتى عام 1962 ثم الاتحاد الاشتراكي) وليتحكم النظام في هذا التنظيم تحكمًا تامًا من إصدار لائحته الداخلية وتعيين قياداته. مع سقوط عضوية النائب بالبرلمان إذا سقطت عضويته في الاتحاد الاشتراكي أما في السنوات التي مرت بدون وجود مجلس نيابي فكانت التشريعات تصدر مباشرة باسم رئيس الجمهورية
سيتم  له السيطرة على السلطة (القضائية) تمامًا بطريق مباشر وغير مباشر( بهيمنته على السلطتين التشريعية والتنفيذية) فصار من بيده إصدار القوانين والتشريعات هو من بيده (تعيين القضاة) وعزلهم بواسطة وزير العدل. فاكتملت بذلك عناصر الهيمنة التامة على القضاء وسيطر عليها كذلك بشكل مباشر عن طريق إنشاء(المحاكم الاستثنائية) لمحاكمة المعارضة السياسية للنظام ورموز السياسة في العصر السابق بشكل عام ممن أطلق عليهم وقتها(أعداء الثورة)هذا إلى جانب الاعتداء الصارخ على (القضاء) بإعادة تشكيل هيئات المحاكم بقانون جديد للسلطة القضائية فيما عرف بمذبحة القضاء.. أما الأزمة الكبرى للنظام_والكلام للحكيم البشرى_ فقد نشأت في البداية بإنشاء العديد من الأجهزة الأمنية لإحكام السيطرة على حركة المجتمع ومراقبتها فتحولت هذه الأجهزة (المخابرات الحربية والمخابرات العامة والمباحث العامة) إلى مراكز قوى كبيرة داخل مؤسسة النظام تحكمت في الإدارة العامة للبلاد بشكل فاضح وفج ..بل وتحاربت فيما بينها في محاولة كل منها فرض هيمنته على الأجهزة الأخرى أو مشاركتها مساحة عملها ولا تنسى فى غمار ذلك مصالح البيوت والعائلات لتحقيق (النفع اللذيذ) المباشر وأيضا لتحصين الحكم من الناس العاديين أبناء الشعب ..هذا الشكل من الحكم ولكى يحقق فاعليته اعتمد بوعي( شديد القسوة والشراسة والاستباحة للدم والمال والعرض)على (الأمن) و(الإعلام) ليهيمن النظام هيمنة تامة على سائر الأنشطة فى المجتمع باحثًا عن (حماية نفسه)  قبل أى شىء  وبكل أنواع القهر والرعب والإذلال والإخضاع. 
برنارد شو الكاتب الإنجليزى الكبير(1856-1950 م)  كان له رأى فى مسألة القهر هذه ..فيقول: هو سلوك معقد يسيء إلى البشر ويحطم لديهم سلم القيم الاجتماعية ويحدث تغييرًا جذريًا فى العلاقات بين الناس.. وله رواية جميلة يلخص فيها هذه الرؤية اسمها(بيت القلوب المحطمة) وكيف ستكون نهاية هذا البيت بأفراده وبقلوبهم التى تحطمت.
الرواية بها شخصيات جديرة بتأمل صفات أصحابها خاصة فى أيامنا هذه .. (شوت أوفر) القبطان السابق ذو الثمانين عامًا والذى يشرب الخمر بشراهة شديدة..ابنتيه (هزيون) المتزوجة من شخص غريب الأطوار و(أريان) التى تزوجت بدون علم أبيها وهربت وعادت بعد عشرين عامًا بصحبة أخو زوجها بعد موت زوجها وغض الأب بصره عن عودتها وعن مجيء أخو زوجها معها. وهكذا يمتلىء البيت  بناس سيئين فاشلين موجوعين خائفين كارهين قاهرين ومقهورين ..أحداث الرواية أيضا مليئة بالاحتيال والنصب والحب المحرم والسرقة والسحر والمضاربات واللعب بالمال ..وفى النهاية تسقط على البيت قذيفة فيموتون جميعًا..
 كل هذه الشخصيات وما كان منها من أفعال كانت نتيجة العنف والقهرفى المجتمع وقت الحرب العالمية الأولى وبعدها..وهى الحرب التى شقى بها الناس الغلابة المغلوبين دائمًا من قرارات الدولة والأسياد التى لا تأبه بهم وتسحقهم دائمًا وتغلبهم دائمًا .. فيما هم يهيمون فى وادى الضياع دائما .. ضياعهم الكبير فى التاريخ.. وضياعهم الصغير فى حياتهم القصيرة البائسة الخاوية الخالية من أى غاية ومعنى..وحسنًا فعل برنارد شو بأن جعل النهاية فى صورة قذيفة تسقط عليهم جميعا حتى يعتبر الجميع فى كل يوم وكل عصر
وليمر البؤس والقهر على الأعوام والأعناق من يوم 18 ابريل 1954 ليأتى يوم 13 يونيه 1967  وليلخص لنا شاعر القهر والأحزان أمل دنقل سيرة هذه الأعوام  وما كان منها وفيها وبها فى مرثيته التاريخية (البكاء بين يدى زرقاء اليمامة): أيتها العرافةُ المقدسة/ جئتُ إليكِ..مُثخنًا بالطعناتِ والدماء/ أزحفُ في معاطفِ القتلى وفوقَ الجُثَثِ المكدسة/ منكسرَ السيف مغبر الجبين والأعضاء/ أسأل يا زرقاء/ عن فمكِ الياقوت عن نبوءة العذراء/ عن ساعدي المقطوع..وهو ما يزال ممسكًا بالراية المنكسة..عن جاري الذي يَهُمُّ بارتشاف الماء/ فيثقب الرصاصُ رأسه.. في لحظة الملامسة.


تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل تؤيد قرار منع بيع الدواجن حية في المحلات؟

  • فجر

    04:41 ص
  • فجر

    04:41

  • شروق

    06:04

  • ظهر

    11:45

  • عصر

    14:59

  • مغرب

    17:26

  • عشاء

    18:56

من الى