• الخميس 26 أبريل 2018
  • بتوقيت مصر11:30 ص
بحث متقدم

الصين والرجل الأوحد..هل بدأت الحرب؟

مقالات

وحين قابلته كان جالسا وسط أكبر رجال الدولة والكل صامت تماما ..ينتظرون كل كلمة تبدرمن فمه..لقد تحول الرجل إلى أسطورة
هكذا وصف اندريه موروا الأديب الفرنسى الشهير(الزعيم ماو تسى تونج)مؤسس الصين الحديثة.
كيف يتحول(إنسان ما) يأكل الطعام إلى كائن أسطوري ينتظرالآخرون الكلمات التى تخرج من فمه ليغوصوا فيها ويستخرجوا منها اللؤلؤ والمرجان ؟ وهل المشكلة هنا فى الرجل أم فى الآخرين؟ ومهما كان ما حققه الزعيم ماو للأمة الصينية _أو أى زعيم_من قوة وتقدم..ما المعنى فى القفز به من دنيا البشر إلى أوهام الأساطير؟ ثم ما هو دوره أصلا كزعيم وقائد جاء به الشعب إلا أن يؤدى واجباته المفروضة عليه كزعيم وقائد فيحقق التنمية والتقدم؟ وكيف يستطيع إنسان _يشيخ ويمرض_ أن يستمر فى السلطة مدى الحياة ؟ وما القيمة فى أن يكون التطور والتقدم فى حياة الأمم مرتبط بإنسان..فإذا غاب الإنسان لأى سبب من الأسباب_بفعل دستور أو بفعل موت_ يتوقف التقدم ويتجمد التطور؟من قال هذا الكلام ؟؟ وكيف يقال أصلا..؟؟أين التخطيط والاستراتيجيات التى تستمر وتدوم فى حياة الأمم والشعوب ولا ترتبط ببشر يعيشون ويموتون؟
كل هذه الأسئلة وأكثرمنها دارت فى رأسى وأنا أقرأ الأخبار القادمة من الصين عن تغيير الدستور كى يستمر الرئيس(شي جين بينج)لأكثر من مدتين كما ينص الدستورالذى تراضى عليه الشعب الصينى عام 1982 وكان أهم بنوده أن لا يقضى الرئيس فى السلطة أكثر من مدتين بل وكانت القيادة شبه جماعية..كان وراء هذا البند تحديدا الرئيس الأسبق(دينج شياو بينج)مهندس النهضة الحالية والرجل الذى مهد الطريق تمهيدا لتسيرعليه عجلة التقدم سيرا صحيحا..دينج الذى عاش 93 سنة..عاصر أيام الإمبراطورية وأيام الحزب الشيوعى وزعيمه شينج كاى شيك وبدأ مع ماوتسى تونج القصة كلها من أول الانفصال عن الحزب الشيوعى سنة 1927 وتأسيس حزب شيوعى أخر لا يوالى الاتحاد السوفيتى وحتى موت الزعيم ماو سنة 1976 ثم الدخول فى دائرة(مابعد موت الزعيم)من صراعات إلى قيادته للحزب والدولة سنة 1978 وحتى وفاته 1997..هذا الرجل الذى تدين له الصين الحديثة بكل ما فيها الأن..كان هو صاحب اقتراح ألا تزيد مدة أى حاكم للبلاد عن فترتين..وأظن يا إخوتى أن السبب واضح ومعروف ليس لما رآه دينج بنفسه من صديقه اللدود ماو تسى تونج فقط من طول بقاءه فى السلطة وتلاعب زوجته به وبالسلطة والتفاف المنحرفين حول الصنم والسلطة  وما رآه من عدد كبير من الأحداث(القفزة الواسعة للأمام/دع ألف زهرة تتفتح  !!)وعدد كبير من الخيبة والجوع والموت..ليس هذا فقط ولكن وهو الأهم أن الرجل أدرك أن القادة (رجال من بشر وليسوا أساطير) كما قال كلمته الشهيرة..وفى الوقت الذى كان(ماو)فيه يا اخوتى محنطا في مقبرته الضخمة بميدان تيانانمن في قلب بكين.. طلب دنج شياو بينج بأن تنتزع عيناه بعد وفاته وتسلما لدارسي الطب و أن يحرق جسده ثم ينثر رماده على سطح البحر ولا يقام له تمثال أو ضريح .
 كنت قد كتبت كثيرا عن أن المشكلة الرئيسية فى معضلة السلطة ما يتصل منها بـ (كيمياء الدماغ) والتى يتساوى فيها كل البشر..الدراسات تقول أن كل من يصل إلى السلطة يقع تحت تهديد التحول إلى ديكتاتور وإذا كانت هذه السلطة مطلقة سارحة اليدين فهى الهلاك المطلق والفساد المطلق للديكتاتور وللناس.
الاستبداد والديكتاتورية والانفراد بالأمر والنهى يعرض الإنسان -أى إنسان- لتغير جوهري في كيمياء طبيعته الإنسانية العادية..السلطة المطلقة تتسبب في حالة من الانهيار العام  للديكتاتور..لمبادئه وشخصيته وسلوكه وخياله وأفكاره ومواقفه وعلاقاته(سيرة حياة  الزعيم ماو مليئة بكل هذه العناوين)باختصار سنكون أمام إنسان آخر لا علاقة له بإنسان ما قبل السلطة المطلقة.
إنسان ما بعد السلطة المطلقة يشبه إنسان ما قبل التاريخ فى شراسته وغلظته وبدائيته وقلقه وخوفه ممن حوله ومن مستقبله..وأخيرا يجد هذا المسكين نفسه مدفوعا نحو وحدة مؤلمة وعزلة كاملة إلا ممن يزينون له أوهامه وهو بهذا يكون قد عرف طريقه السريع إلى درب الجحيم الذي لا فكاك منه..المهم فى كل ذلك هو أن المسألة هنا ليست إرادية بمعنى أنه لا يمكن أن يوجد إنسان آدمي تتجمع فى قبضة يديه سلطة مطلقه إلا وتحدث فى كيمياء دماغه كمية من التغيرات النوعية الرهيبة..والمؤكد أن الحاصل هو استجابة طبيعية لقانون طبيعى ثابت مثل غليان الماء بارتفاع درجة حرارته إلى درجة معينة ومجىء الليل والنهار ومثل ذلك من الحتميات الثابتة..دعونا نختصر كل ذلك فى القول بأن ممارسة السلطة فترة طويلة(علماء النفس حددوها بثمان سنوات)تجعل من الإنسان ديكتاتورا مستبدا
جول رومان الكاتب الفرنسى الشهير( 1885م) حاول أن يغوص فى نفس الديكتاتور فى مسرحيته الشهيرة (الديكتاتور)المنشورة سنة 1926م .. وقدم فيها معالجة للسلطة فى جانبها الأكثر دناءة وحقارة (عرضها مسرح السلام بالقاهرة عام 2012 )انتهى الكاتب إلى أن السلطة حين تفلت من يد القانون وتنطلق سارحة مارحة هى التي تصنع الديكتاتور المستبد وتلك حقيقة من حقائق الحياة يجب أن يعيها كل شعب حريص على وطنه ومقدراته ومستقبل أجياله وأي دستور يجب أن يشرع فى إعداده التقييد الزمنى للسلطة..وإلا فإنهم قبل أن يكونوا مضيعين لأوطانهم وبلادهم فهم مضيعون لهذا الإنسان المسكين القابع فى السلطة.. 
الحديث عن الحريات وحقوق الإنسان ونزاهة الانتخابات وسيادة القانون والمجتمع المدني وتداول السلطة وحرية الرأي والصحافة واستقلال القضاء ونزاهته تحت مظلة دستور عصري وديمقراطي حاميا للحق والكرامة منظما للعلاقة بين السلطة والمجتمع هذا الحديث تم اختزاله ببساطة متناهية فى أقوال مثل الشعب يريد والشعب يأمر..ممثل مقاطعة هيلونج جيانج في شمال شرق البلاد فى المجلس الوطنى الصينى قال(إنها الإرادة الملحة لعامة الشعب) وهو ما يردده الحزب الشيوعي الذي يعتبر أن تعديل الدستور يحظى بتأييد جامع لدى العامة..كلام مخادع مصيره كارثى حتى لو كان ينطلق من نيات طيبة.. اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني والتى يحكم الرئيس الحالى قبضته عليها هى صاحبة فكرة إلغاء بند(ألا يقضي رئيس جمهورية الصين الشعبية ونائبة أكثر من فترتين متعاقبتين)..وهى من اقترحت أيضا إضافة (فكر الرئيس شي جين بينج بشأن الاشتراكية ذات الخصائص الصينية لعصر جديد) كمادة فى الدستور.. 2958 مندوبا صوتوا لصالح تغيير الدستور من بين 2963 مندوباً وأعلن البرلمان أن ثلاثة مندوبين امتنعوا عن التصويت واثنان ضد تغيير الدستور..ما أقصى درجات خيبة الأمل..البرلمان برر ذلك التغيير لصالح بقاء(شى بينج) رئيسا مدى الحياة وإلغاء الحد الأقصى للولايات الرئاسية ومنحه سلطة شبه مطلقة بأن ذلك من أجل تطبيق رؤيته لتحويل البلاد إلى قوة عظمى اقتصادياً وعسكريا ..تكرارات لغوية سقيمة يا إخوتى لا طائل من ورائها سوى ترسيخ الاستبداد والديكتاتورية.. 
ترامب رحب بخطوة البرلمان الصينى وتمنى أن يحدث ذلك في أمريكا يوما ما !!.
أخشى أن تكون دوائر المخابرات والاختراقات والتغلغلات والتلاعبات والأبواب المغلقات والمفتوحات..والتى تنظر إلى  مستقبل الصين استنادا إلى حاضرها على أنها سوف تسيطر على كل الملاعب فى الشرق الأوسط والأدنى والأقصى وأفريقيا ..أخشى أن تكون هذه الدوائر قد بدأت حربها  اللعينة ضد الصين ومستقبل الصين وشاركت فيما حدث فى ردهات الحزب الشيوعى الصينى يوم الأحد 25فبراير 2018.  وهو ما يحدث كثيرا يا إخوتى واسألوا ترامب وهيلارى وبوتين.  

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل توافق على رفع رواتب الوزراء وكبار المسئولين؟

  • ظهر

    11:58 ص
  • فجر

    03:51

  • شروق

    05:20

  • ظهر

    11:58

  • عصر

    15:36

  • مغرب

    18:36

  • عشاء

    20:06

من الى