• الإثنين 25 يونيو 2018
  • بتوقيت مصر09:07 م
بحث متقدم

ليست متحررة بل عاقلة!

وجهة نظر

حاتم سلامة
حاتم سلامة

حاتم إبراهيم سلامة

هل تتخيل لو قلت لك: إن العرب في كثير من سلوكياتهم كانوا متقدمين متحررين من العقد والطباع التي يظنها الكثيرون في زماننا حشمة ودينا؟! 
إننا نقرأ في التراث العربي، فنرى بعض أفعال لو أنها حدثت في هذا الزمن لاتهم أصحابها بأنهم جريؤون متحررون.. ففي أعرافنا اليوم نعرف أن الرجل هو الذي يخطب المرأة التي تعجبه وليس العكس.. وإن حدث يوما ذلك العكس وقامت المرأة بخطبة الرجل الذي يعجبها، ووجدت في قلبها ميلا إليه... لهاج عليها الناس وذموها وانتقدوها واتهموها بأبشع التهم وألصقوا بها أرخص الصفات.. والحق أن المرأة العربية كان لها كيانها وقيمتها وكان المجتمع يقدر أنوثتها ونوازعها وميولها... فمعنى أن تحب المرأة وتهوى وتعشق فهذا ليس عيبا طالما اتخذت قنواته الشرعية، وآدابه المجتمعية، ومعنى أن تعلن المرأة أنها أحبت فلانا أو يعجبها، فلان فليس في ذلك عيب طالما لم تخرج عن حد الأدب والذوق والحياء..
وهكذا فعلت أم المؤمنين خديجة بنت خويلد فهي التي قامت بخطبة سيد الخلق صلى الله عليه وسلم، ولم يقم هو بخطبتها ابتداء وكان ذلك في الجاهلية فكانت نعم الزوجة ونعم القرين.. وفي مروج الذهب للمسعودي: (جلست " أم سلمة " المخزومية وقد ضاقت بها الأرض بما رحبت، فقد تزوجت مرتين قبل ذلك فمات كلاهما الواحد تلو الآخر.. فقد تزوجت " أم سلمة " من عبد الله بن الوليد بن المغيرة، فمات، فتزوجت بعده من عبد العزيز بن الوليد بن عبد الملك الأموى فمات..
وأشفقت على نفسها من مستقبلها المجهول.. فدخلت عليها جاريتُها فرأتها مهمومة، فعلمت ما تحمله من هموم فقالت لها : علامَّ يا سيدتى تجلسين هكذا ؟! قالت " أم سلمة ": إن الناس يرمونني بأبصارهم وكأنني أنا شؤم على من أتزوجه.. قالت الجارية: لا تجعلي هذا التفكير يسيطر عليك، فأنت شابة جميلة، تزوجت من أسياد العرب قبل ذلك ، ولك من العز والجاه والمكانة ما لا يُنكر.. قالت " أم سلمة " : إن الرجال يفرون منى كأنني سببٌ فى قتلهم.. قالت الجارية : لو جعلت تفكيرك وذكائك فى التركيز على الحصول على زوج من سادات القوم وكبراءهم وأفضل من زوجيك السابقين لكان ذلك خيرٌ وأجدى .. وصوبت " أم سلمة " نظرها الى الجارية.. وكان يدور في خلدها شئ واحد؛ كيف يخرج هذا الكلام العميق من هذه الجارية البسيطة؟
وبينما المرأتان تتجاذبان أطراف الحديث، إذ مر أمامهما رجلٌ جميلُ الطلعة، وسيمُ الشكل، مكتمل الصحة، موفورُ الفتوة فسألت عنه " أم سلمة " وعرفته، إنه أبو العباس عبد الله السفاح.. وأصبح تفكير " أم سلمة " منصبٌ فى أمر واحد، ألا وهو الزواج من هذا الرجل الوسيم.. السيد فى قومه.
فأخذت تتعرض له، وأرته من نفسها ما يُرغب الرجالُ فى الزواج من النساء.. والحق أنها نجحت فى ذلك نجاحًا كبيرًا.
ولو لم يكن أبو العباس فقيرًا مدقعًا لتقدم فى الحال. 
ولما علمت " أم سلمة " وأيقنت بذلك، نادت على جاريتها وأرسلتها له تعرض عليه أن يتزوجها، وقالت لجاريتها: هذه سبعمائة دينار قدميها له إذا اشتكى الفاقة. 
وكانت " أم سلمة " تمتلك المال الكثير من الحشم الجواهر وغير ذلك. 
فأتته الجارية وعرضت عليه ذلك.. قال أبو العباس: أنا فقير مدقع لا مال عندى.. فدفعت الجارية إليه المال.. وما إن وصلت الأموال إلى يديه حتى أقبل إلى أخيها وطلب أن يزوجه منها. فزوجه إياها، فأصدقها خمسمائة دينار. وأهدى من يلوذ بها مائتى دينار.. وزُفَّت إليه فى ثياب موشاة بالجواهر، وحظيت عنده حتى أصبح لا يقطع أمرًا إلا بمشورتها حتى أفضت الخلافة إليه.
لقد سارت أم سلمة على هدي خديجة رضي الله عنها حينما أعجبها أبو العباس.. وهي حكمة تدل على نضج عقلها ووفير اختيارها فلم تكن شابة هوجاء تجري وراء الجمال أو الفتوة وإنما كان الجمال هو أول خطوة دفعتها لتسأل من هذا الرجل فلما علمت مكانته وحسبه ونسبه وتسيده في قومة تشبثت به... ولولم يكن من أعجبها في هذه المكانة لما أقدمت على طلب يده، كما تعطي لفتيات هذا الزمان درسا كبيرا وهاما وخطيرا أن السعادة لا تكمن في المال وإنما في الاخلاق، فلو أنها وجدت ذلك الشاب الخلوق المهذب الأصيل فلتبادر إليه فإنه كنز لا يعوض، حتى لو أدى بها الامر أن تنفق هي عليه وتمنحه من مالها.. لأنه يملك مالا يملكه الكثيرون الخلق والفضيلة.. وهي ما فعلته أم سلمه حينما أرسلت له المال ليخطبها وأعلمته أن رغبتها فيه لا يحول بينها وبينه شيء حتى ولو كان الفقر المدقع..
ومثل هذه الزوجة تصان وترفع على الرؤوس لأنها قهرت حياءها وطلبت بلسانها وعبرت عن رغبتها للرجل الذي تتمناه.. وللأسف رجال كثيرون يعتبرون ذلك عيبا وربما لو اقترن بهذه الفتاة لاعتقد أنه يقبض بيديه على نقطة ضعفها وبرهان إذلالها.. فيظل طول عمره يعيرها بأنه هي التي أقبلت عليه وطلبته.. ولم يقم هو بالسعي ورائها.. وهي نظرة رجعية متخلفة لا يراها إلا رجل ناقص العقل والمروءة.

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

من سبب خروج المنتخب من كأس العالم؟

  • فجر

    03:16 ص
  • فجر

    03:15

  • شروق

    04:57

  • ظهر

    12:02

  • عصر

    15:41

  • مغرب

    19:08

  • عشاء

    20:38

من الى