• الأربعاء 17 أكتوبر 2018
  • بتوقيت مصر01:29 م
بحث متقدم

(رسائل الاستبداد) الزعيم والمعلمة وسحرة فرعون

مقالات

شهدت مصرمن ثورة  1919 وحتى دخول الجيش فى السياسة عام 1952 تطورا وتقدما واسعا على كافة وجوه الحياة سياسيا وفكريا وفنيا وعلميا وفى تلك الثلاثون عاما تكونت(القوة الهادئة)التى اشتهرت بها مصر فى محيطها العربى والاسلامى والتى لازلنا نعيش عليها حتى الأن..فى عهد(الجمهورية) تضعضع كل شىء يا إخوتى ..على أن أسوأ وجوه الضعضعة هى ما كانت فى ميدان التعليم والتى أنتجت أسوأ ما يمكن لأي ضعضعة أخرى أن تنتجه وهى(فساد الإنسان)..
ليس هذا موضوعنا على أى حال ..موضوعنا وما يتفرع عنه يتصل بقصة موقف لرائدة من رواد النهضة التعليمية فى مصر الحديثة وهى السيدة(نبوية موسى)التى عاشت فى الفترةمن 1886-1951م والموقف كان مع زعيم تاريخى من زعماء مصر وهو الزعيم مصطفى النحاس ووزير داخليته العتيد فؤاد باشا سراج الدين إذ قام سيادته بإغلاق مدارس الرائدة الكبيرة نبوية موسى وأعتقلها..نعم يا إخوتى اعتقلها وأودعها سجن الحضرة بالإسكندرية وذلك بسبب معارضتها السياسية وليس لأي سبب آخر..وكانت رحمها الله  تتناول قرارات وسياسات النحاس باشا بالنقد المملوء بالتهكم ..الرائدة الكبيرة كانت فى الأصل عضوا نشيطا بحزب الوفد ثم اختلفت مع قياداته الكبرى وعلى رأسهم النحاس باشا.. المهم أنها كتبت مقالا تهكميا تنتقد فيه رئيس الوزراء بعنوان لو كنت رئيسة وزراء ..تقول فيه:إذا قدر لي أن أكون رئيسة وزارة سأكون كرفعة النحاس باشا في عقاب من أكره ومكافأة من أحب مهما كانت مكانة الأول من نفع الأمة والثاني من الإضرار بها..وتكمل حديثهاعن الوزيرات التى ستختارهن:أريد وزيرات مسالمات لا يناقشنني في الأوامر لأستطيع كما استطاع رفعة النحاس باشا في وزارته وذلك لأنني:سأستبد..والعاجز من لا يستبد..ولهذا سيخشاني الشعب ويتعود الهتاف باسمي خشية مني ومن استبدادي في بادئ الأمر..ثم لا يلبث أن يتعود ذلك الهتاف فأنال من الشعب لقب: الزعيمة الجليلة) .
رسالة الاستبداد وصورته القبيحة التى قدمتها الرائدة الكبيرة عن حزب الوفد وزعماؤه وقت ما كان فى الوزارة جديرة بالتوقف عندها وصدق من قال اقرؤوا تاريخكم بعمق كى تعيشوا حاضركم بحق.
 القرآن الكريم قدم لنا نماذج عديدة للاستبداد والطغيان..على أن نموذج فرعون كان أكثرهم وضوحا ووصفته الآية الكريمة باستحقاقه لأن يكون أية لمن يأتى بعده فى أخر صور استبداده (فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً ? وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ)..فرعون حين قال لشعبه(ما علمت لكم من إله غيري)وحين قال(ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد) كان في حالة متفردة من إحتكار رؤية الحقيقة والصواب وحالة أكثر تفردا من(إحتقار)الشعب الذى يسمع منه هذا الكلام ..كان يقول ذلك فى سياق تحضيره لاستئصال النبى موسى وقومه خاصة حين جاءعليه السلام بدلائل قوية على كونه نبيا لكن بعض مستشاري فرعون نصحوه أن(يخفف المسألة قليلا) فقالوا له(أَرْجِهْ وأَخَاهُ وأَرْسِلْ فِي المَدَائِنِ حَاشِرِينَ)فكان أن عمل بنصيحتهم وخفف من لهجته الطغيانية فإذا به يقول   ( ذروني أقتل موسى..)هو يطلب إذنا من الشعب ليفعل ما يريد والمسألة فيما يبدو كانت لها سوابق كثيرة إذ من غير المنطقى أن يخاطب الفرعون شعبه بهذه اللغة التشاركية ..اسمحوا لى اقتل موسى..الفرعون عادة يفعل ما يريد ..الرجل قال عن نفسه انه إله ولا يرى ولا يعلم لشعبه إلها غيره..فإسمحوا لى ..وذرونى ..هنا لا تبدو جديدة..كان واضحا أنها سيناريو قديم .على أن الأحداث تطورت بعد ذلك على نحو مذهل ..إذ جاءوا(بكل سحار عليم)..ودارت حوارات (معمقة) حول الموضوع وتفاصيله وترتيباته وإذ يكون ذلك كذلك سنكتشف أن هؤلاء السحرة لم يكونوا مجرد حواه(جمع حاوي) وسيكونون بعد ذلك أحد رجالات التاريخ الكبار..وسيصدر عنهم موقف من أعظم مواقف الشجاعة والقوة في الانتصار للحق على طول الزمن وما أن اكتشفوا_ وهم السحرة العظام العالمين _أن  الحق مع موسى إلا وامنوا من فورهم( أمنا بربنا ليغفر لنا..)كل هذا يا اخوتى تم في غضون ساعة زمن..ويأبى التاريخ بهذا الموقف الجلل إلا أن يخرج لنا نماذج ضخمة في مواقف التاريخ الحادة وليصبحوا منارات وعلامات لبنى الإنسان على طول التاريخ وعرضه أيضا ..لم يهتموا كثيرا بحديث التصليب والتقطيع وما إلى ذلك من تهديدات وارهاب وانطلقوا في رحاب الإيمان واليقين والمغفرة والمعرفة والخلود (..والله خير وأبقى).
للأسف حين يذكر نموذج فرعون كطاغية نموذجي ومستبد مثالي لا نذكر أولئك الرجال العظام إلا قليلا رغم أن موقفهم هذا في يوم الزينة كان من أعظم المواقف الإنسانية كما ذكرت..مواقف الانتصار للحق والفكرة والمعنى والحقيقة على ما عداها من ألوان الكذب والخوف و التدليس. 
كثير حياة المرء مثل قليلها ** يزول.. وباقي عمره(مثل)ذاهب ,, وبالفعل كانوا نعم المثل والقدوة .
في عام 1854 ولد بمدينه حلب بسوريا رجل من هذا (النوع العظيم) وتوفى بمصر عام 1902 وكٌتب على قبره(هنا رجل الدنيا..هنا مهبط التقى..هنا خير مظلوم..هنا خير كاتب.. قفوا واقرؤوا أم الكتاب وسلموا عليه)هذا الرجل هو عبد الرحمن الكواكبى وقائل هذه الأبيات هو شاعر النيل حافظ إبراهيم . 
48عاما هى كل عمر الكواكبى ..الذى ترك لأمته من بعده كتاب من أهم كتب الاجتماع السياسى فى كل العصور(طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد) تذكروا السيدة نبوية موسى يا اخوتى وتذكروا سحرة فرعون من قبل ومن بعد..لتتذكروا دائما تلك الظاهرة التاريخية المقيتة(الاستبداد)فكان أن أخذ يصف لنا الاستبداد في طباعه وألوانه وتعريفاته ما شاءت له مآسي البشر عبر تاريخ ذلهم وقهرهم تأملا وفهما وإتعاظا ونصحا لإخوانه في الإنسانية عن هذا الذي يعصف بإنسانيتهم في أهم مكوناتها(الحرية والكرامة والعدل)ولأن أمثاله من أشجار الوقار ومنابع الأخبار علموا أن التاريخ ليس مجرد حوادث تتوالى بقدر ما هو(قوانين وثوابت وروابط تجمع بين أشتاتها) فكان أن قدم نصيحة جديرة بالتأمل في مواجهه الاستبداد والطغيان_وقفوا معى يا إخوتى هنا موقفا طويلا_ فهو يرى أن مواجهة الاستبداد لا تكن بالقوة ولا بالثورة على المستبد..!! إنما باللين والتدرج ذلك لأن(الاستبداد محفوف بأنواع القوات) فإذا قوبل بالقوة كانت فتنة تحصد الناس..وليبقىالتاريخ شتات من المقاطع والجزئيات فى دراستنا لكل أنانى وطاغية فالأنانى والطاغية وهو يتبع أهدافه القذرة يقود خطانا نحو الأهداف العليا دون وعى منه(دور المجرم فى صناعة التاريخ).
تلك النصيحة الذهبية من صاحب(طبائع الاستبداد) بأن يواجه الاستبداد بالحكمة في توجيه الأفكار نحو تأسيس العدالة وهو مالا يكون إلا بالتعليم والمعرفة أو كما قال هو(بالتحميس)قاصدا فيما أظن تهيئة الرأي العام من خلال الكلمة والكتاب والصحيفة وقبل كل ذلك وبعد كل ذلك(المدرسة). 
سيكون علينا هنا أن نستشهد بأعمق دراسة أكاديمية عن(أفشع)ظاهرة تاريخية فى حياة البشر(الاستبداد والطغيان) وهى دراسة الدكتور إمام عبد الفتاح إمام عن(الطاغية )والتى نشرتها سلسلةعالم المعرفة الكويتية(عدد 183 سنة 1994)والذي يصفه بأنه(ذئب مفترس يلتهم لحوم البشر..أسوأ أنواع الحكام وأشدهم خطورة..ولا يمكن الإفلات من قبضته الرهيبة إلا بالإيمان الحقيقي بالديمقراطية والسعي الجاد لتطبيقها..)السعى الجاد لتطبيقها .
? في منتصف ستينات القرن الماضي كتب  الشارع الراحل صلاح عبد الصبور قصيده بعنوان(مذكرات رجل مجهول)لخص فيها معاناة المواطن المصري في ظل الحكم الجمهورى الذى جاء به البكباشى وأصحابه والذي اتسم بواجهة عربية مزركشة يفرح بها الشعبويون فى حين عانى الشعب المصري أثناءها الواقع المرير بين أنياب الطاغية ..خائب الآمال مكتوما مقهورا محبطا منبطحا واهنا تحاصره الأناشيد والرقص الشعبي والهتافات.
يقول الشاعر الكبير فى بعض أبيات القصيدة :هذا يوم مكرور من أيامي/أعود إلى بيتي مقهورا /لا أدري لي إسما/أو وطنا..أو أهلا/هذا يوم كاذب/قابلنا فيه بضعة أخبار أشتات/فأعناها بالمأوى والأقوات/وولدنا فيه كذبا شخصيا/هذا يوم خوًان/ سألونا قبل الصبح عن الحق الضائع فنكرناه وجحدناه /هذا يوم بعناه للموت اليومي بحياة زائفة صلدة وفرحنا أنا ساومناه وخدعناه ومكسناه) شاعرنا الكبير قال هذا الكلمات الكاسحات قبل هزيمة 5يونيو بعام أوعامين لكن الصخب العام فى حضرة الزعيم الرعديد طغى على كل صوت حكيم..وكان أن لابد وأن يدفع الشعب ثمنا..وبالفعل دفع..ولكنه كان ثمنا قاسيا..قاسيا جدا يا إخوتى .

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل تؤيد قرار منع بيع الدواجن حية في المحلات؟

  • عصر

    02:59 م
  • فجر

    04:41

  • شروق

    06:04

  • ظهر

    11:45

  • عصر

    14:59

  • مغرب

    17:26

  • عشاء

    18:56

من الى