• الإثنين 24 سبتمبر 2018
  • بتوقيت مصر03:32 ص
بحث متقدم

الفرص الضائعة في بناء القدرة الذاتية

مقالات

قضية المساعدات الأمريكية لمصر تفتح الباب على مناطق نقاش عدة لا تقتصر على المساعدات في كونها مسألة مالية ومادية عسكرية واقتصادية فقط، إنما في كونها بابا للسياسة المتغيرة، وطبيعة العلاقات التي يصعب ضبطها على وتيرة واحدة بين أمريكا الدولة العظمى، وبين مصر الدولة الكبرى في إقليمها، والمشكلة في هذه العلاقة المختلة أن كثيرا من الأوراق المصرية متروكة في أيدي الأمريكان.
طالما أن مصر لا تحرر نفسها من تلك العلاقة غير المتكافئة ولا المتوازنة ولا الندية، فإنها ستظل تتعرض للتعامل القاسي من إدارة إلى أخرى، أو التعامل حسب المصالح الأمريكية المرغوب تحقيقها.
لا يسعد أحد أن تعتبر الأنظمة المختلفة في مصر أن أمريكا قبلة العالم السياسية لها، إذا انفتح بابها انفتحت الأبواب الأخرى بالتبعية، بدأ السادات علاقة التماهي مع الأمريكان، ووطدها مبارك، وكانوا يحرجونه كثيرا، وضغوطهم زادت عليه في عهد بوش الابن حتى انقطع عن الذهاب للبيت الأبيض لمدة أربع سنوات، ورغم ثورة يناير التحررية من الاستبداد والتبعية للخارج فإن المجلس العسكري وبعده مرسي كانا حريصين على تمتين العلاقات مع الأمريكي، وبعد الثالث من يوليو وإزاحة الإخوان عن الحكم زادت الرغبة في تقوية العلاقات والتقرب أكثر من واشنطن لاعتبارات منها أن يثّبت النظام الجديد شرعيته الدولية، ويكتسب الرضا العالمي والمدخل لذلك هو أمريكا، ورغم ضجيج الحديث الإعلامي والنخبوي عن أن أمريكا تناوئ النظام الجديد العداء فإنه كان لا يفوت فرصة إلا ويؤكد على خصوصية واستراتيجية العلاقة وبناء الشراكة، ولما يمم وجهه شطر روسيا والصين لإحداث التوازن في علاقاته الدولية بين الشرق والغرب فإن ذلك لم يدم طويلا حيث عاد سريعا إلى واشنطن يخطب ودها، وعليه توترت علاقاته مع الروس.
 كما لا يسعد أحد أيضا أن تدخل مصر في عداء مع الأمريكان، فلا طاقة لها بذلك، والأزمات المزمنة سياسية واقتصادية تجعل القاهرة في حاجة دائمة للانفتاح على العالم كله، وتلك الحاجة أكثر إلحاحا اليوم مع سلطة أطلقت شعارات ضخمة لكن المنتج على الأرض لايزال دون المأمول، وقد اُضطرت لاتخاذ قرارات اقتصادية تعصف بفئات عديدة من شعب يئن أصلا من الفقر، ولم تخفف بالسياسة وطأة الاقتصاد، ولم تنجح في الاقتصاد لتعوض غياب السياسة، الطريق في اتجاهيه السياسي والاقتصادي يمتلئ بالمطبات، وحتى معادلة مبارك صارت مطلبا، هامش من الحرية يخفف من تململ مصاعب الحياة، وتلك المعادلة في وقتها كانت مجال هجوم كبير على نظامه، لكنها تبدو اليوم أملا، فالحرية والعيش معا في أزمة.
كثير من دول العالم نجحت في الخروج من أسر الأمريكي، دون خصام معه  وذلك ببناء قوة ذاتية وطنية عبر حسن استثمار الموارد المتوفرة، مع قدر معقول مساعدات الخارج، ولو كانت عبر قروض محسوبة بدقة لا تكون الموافقة عليها مرتبطة بشروط قاسية على المواطنين كما حدث في قرض الـ 12 مليار دولار من صندوق النقد لمصر، فقد زادت التزاماته آلام وأوجاع الفئات الفقيرة والمتوسطة، ووصلت رياحه العاصفة لفئات كانت تعتبر نفسها في أمان من عاديات الزمن.
البناء الذاتي لا يكون إلا من خلال حياة ديموقراطية ليبرالية سليمة في مناخ سياسي متصالح ومنفتح ومتسامح وتنافسي ويشمل جميع قوى وتيارات المجتمع من اليمين لليسار دون إقصاء أو احتكار، ومن المفارقات أن يكون هذا البند هو أحد وعود بيان ثورة 23 يوليو 1952، ولانزال نكرره حتى اليوم لأنه لم يتحقق رغم مرور 65 عاما على إعلانه، ولنا أن نتصور لو كانت الديمقراطية انطلقت بعد يوليو وعلى أسس سليمة بديلا عن حكم الفرد، لكنا تزاملنا اليوم مع الدول التي صعدت وتفوقت رغم أنها خرجت مدمرة من حروب طاحنة، بعكس وضعنا الذي كان آمنا، ونماذجها الساطعة ألمانيا واليابان وكوريا الجنوبية، بل إن التجربة الماليزية بدأت في نفس وقت تولي مبارك الحكم عام 1981، وفي أقل من عقدين من الزمان على أيدي مهاتير محمد صانع نهضتها أعلنت نفسها نمرا أسيويا حقيقيا لها القدرة على أن تتعامل مع القوى الكبرى بالندية الطبيعية، ووصفة النهضة كانت قابلة للتحقق السريع بعد ثورة 25 يناير، لكن قلة الخبرة وضعف السياسة وقصور الرؤية وغياب التوافق واستحضار النوازع الشخصية والكراهية المرضية والماضوية الفكرية والأيدلوجية والرغبة في الوثوب للسلطة وليس بناء الديمقراطية والدولة من الفاعلين على الساحة أنتج مشهد اليوم الذي اختفى منه كل الشركاء الذين هزموا أنفسهم بأنفسهم وباتت السلطة في قبضة من حديد، وفكرة الديمقراطية ليست أولوية عندها، وفكرتها في الاقتصاد والتنمية متواضعة تخلو من إبداع حلول خارج الصندوق التقليدي.
ومن حيث أعتقدت السلطة في مصر أنها نسجت علاقة شديدة التميز مع إدارة أمريكية جديدة "ترمب"، وأحد أهدافها شطب سياسات الإدارة السابقة عليها "أوباما"، فإنها تتلقى منها عقوبة سريعة عبر حجب وإرجاء جزء من مبلغ المعونة، وهي ليست في وارد أن تقاوم، فقط بيان عتاب على الحليف الأمريكي، لأنها، وكذلك ما سبقها من سلطات حكم، لا تنطلق في بناء القدرة الذاتية عبر الديمقراطية التشاركية، ولمّا يحدث ذلك فإنه سيكون بمقدورها مغادرة المجال الأمريكي، ويكون التعامل على أرض صلبة من الثقة بالنفس والإنجاز، وعندئذ يمكن الخلاص من ورقة المساعدات، وأي أوراق أخرى تثقل الكاهل.


تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل توقع فوز «صلاح» بجائزة أفضل لاعب فى العالم؟

  • فجر

    04:26 ص
  • فجر

    04:26

  • شروق

    05:49

  • ظهر

    11:52

  • عصر

    15:19

  • مغرب

    17:54

  • عشاء

    19:24

من الى