• الأربعاء 17 أكتوبر 2018
  • بتوقيت مصر11:33 ص
بحث متقدم

هؤلاء هم الخطر الأكبر على الدولة والنظام معا

مقالات

كنت أحب أن تمضي وقائع زيارة الرئيس للبرلمان أمس وأدائه القسم الدستوري لتولي فترته الرئاسية الجديدة بشكل أكثر بساطة وتواضعا ، وأقل بهرجة وبذخا ، خاصة في ظل الحديث المتكرر منه إلى الشعب بصعوبة أحوال البلد وقلة ذات اليد وأننا فقراء (قوي قوي قوي) ، حسب تعبيره المشهور ، وفي ظل تبريره زيادة أسعار المواصلات والوقود والمياه والغاز وغير ذلك والتي تكوي ظهور ملايين الناس التي تعاني ، تبريره للقرارات بحاجة الدولة لتوفير الأموال لإنقاذ البنية الأساسية المهترئة ، فكل هذا الكلام لا يستقيم مع مظاهر الفخفخة والأبهة التي دشنت بها وقائع أداء القسم ، كما لا يتناسب مع استعراضات القوة في سماء العاصمة على مدار يومين أو ثلاثة أيام ، بأسراب الطائرات وطائرات الهيلوكيبتر أيضا ، وفي حدود علمي أن الطلعة الجوية الواحدة تكلف الدولة آلاف الدولارات ، أولى أن نوفرهم لما هو جاد وعملي ومنتج ومعين للدولة على احتياجاتها الضرورية والحيوية المعطلة .
غير أن ما لفت انتباهي في خطاب الرئيس بالبرلمان أمس ، هو حديثه عمن أسماهم "المتاجرين بالحرية والديمقراطية والدين" معتبرا أنهم خطر على البلد ، وفيما يتعلق بالدين فمع الأسف ، الكل يتاجر به ، حكومة ومعارضة ، غير أن الفتاوى والتصريحات الدينية من شخصيات دينية مؤيدة للرئيس أو منتسبة للمؤسسات الدينية الرسمية فيها من المجاملات والمتاجرة بالدين وتفصيله على مقاسات مطلوبة للسلطة والرئيس نفسه ، ما جرت به الركبان وكان مثار تندر واسع داخل مصر وخارجها .
وأما المتاجرة بالحرية والديمقراطية ، فلو صحت ، فنعم المتاجرة ، حتى لو كان الأمر في سوق المزايدات السياسية ، فهو في النهاية يفضي إلى خير الجميع ، وخير المجتمع وخير الدولة ، فلنفسح المجال لمن يتاجر هنا ويزايد مطالبا بالحرية والديمقراطية أو المزيد منهما ، فهذا لن يضر أحدا ، وإن كان من الطبيعي أن يزعج الحاكم والسلطان ، لأنه يعني الخصم من مساحات سلطته وسيادته على قدر الإضافة لسلطة الشعب وسيادته ، لكن المزايدة السياسية هنا لا تمثل خطرا حقيقيا على الرئيس أو الدولة .
الخطر الحقيقي على الرئيس والدولة والنظام يأتي من المتاجرين بالولاء للحاكم والمتزلفين له والمتصدرين لمشهد الدفاع عنه بالحق والباطل سواء ، خاصة عندما تنحسر مساحات الحرية وينتشر الخوف ، وتتقلص حرية الإعلام كثيرا ، وتغيب أو تضعف مؤسسات الرقابة ويتم تسييسها ، وإخضاعها للتوجيه ، ولا يكون في الدولة إلا الرأي الواحد والقرار الواحد والرجل الواحد ، في تلك الأجواء ينتشر الخوف والشك وترخص الاتهامات لكل من يرى رأيا مخالفا أو يتحدث عن سلبية ما ، في أي موقع ولو هامشي ، وفي تلك الأجواء تحديدا أيضا يتسلل الفاسدون ، وينتشرون في مفاصل الدولة ، مسلحين باحتراف النفاق وإعلان التأييد المطلق للنظام والرئيس ، ليكون ستارا لهم في نشاطهم التخريبي والانتهازي ، ومع الوقت يتحول هؤلاء الفاسدون إلى سوس حقيقي ينخر عظام الدولة ، وديدان طفيلية تمتص مقدرات الوطن بدون تعب ، وتحولها إلى ثراء شخصي فاحش تتضخم به كروشهم وتملأ به خزائنهم في البنوك ، داخل البلاد وخارجها .
هل لاحظ الرئيس أن جميع وقائع الفساد المروع التي تم ضبطها خلال الأشهر الأخيرة ، كانت كلها من شخصيات مؤيدة له إلى حد الهوس ، شخصيات لا تترك مناسبة ولا غير مناسبة دون أن تعلن دعمها للرئيس وغزلها في عبقرية الرئيس وأن الرئيس هو أمل هذه البلاد في نهضتها ، وأن الرئيس هو الهبة الإلهية التي وهبها الله لمصر لكي ينقذها من الشر والانهيار ، وفي نفس الوقت الذي يصدرون للإعلام وللناس وللرئيس نفسه ، هذه الخطب النفاقية العصماء ، تكون جهودهم المحمومة في الخفاء تعمل بكل همة على سرقة المال العام ونهب كل ما تطاله أيديهم من مقدرات الشعب والوطن .
هل لاحظ الرئيس أن نائبة محافظ الاسكندرية التي تم ضبطها بالرشاوي الضخمة كانت من رموز مؤيديه المتحمسين ، وهل لاحظ أن محافظ المنوفية السابق الفاسد كان رمزا من رموز نظامه ومؤيديه ، وهل لاحظ أن كتيبة الفساد الأخيرة في مكتب وزير التموين كانوا من كبار مؤيديه والمتغزلين في سياسته وعبقريته ونجاحاته في إنقاذ البلاد ، وغيرهم الكثير ، وكلهم توسدوا مناصبهم بتقارير رائعة من الأجهزة الأمنية ، تؤكد على وطنيتهم ونزاهتهم وكفاءتهم ، لأن معيار الوطنية في تلك الأجواء المظلمة هو الولاء للرئيس وحده ، وليس الولاء للوطن ، بل يصبح الوطن هو الرئيس ، وإعلان التأييد المطلق له ، وهذا هو المناخ والمعيار الأكثر مناسبة لانتشار الفساد ونهب المال العام وإهدار مقدرات الوطن ، ومن ثم الفشل الذريع وشحوط سفينة الحكم بسرعة لجفاف الماء الذي يحملها .
أغلب قضايا الفساد بين مؤيدي الرئيس تلك ، تم كشفها بالصدفة ، أو بعد اختلاف أعضاء العصابة ، وقيام أحدهم بإبلاغ الرقابة الإدارية ، وهي الجهة الوحيدة في مصر حاليا التي ضبطت كل تلك الوقائع ، رغم أننا ـ رسميا وعلى الورق ـ نملك الكثير من المؤسسات الرقابية ، وبالأخذ بالاعتبار البديهي أن ما يتم كشفه من جرائم يمثل ـ عادة ـ نسبة محدودة مما يقع أو يمر ، فلنا أن نتخيل حجم الفساد الذي ينخر في الدولة والنظام على يد من يتاجرون بتأييد الرئيس وهم الأكثر حماسة في إعلان الولاء للنظام والرئيس .
هؤلاء يا سيادة الرئيس هم الخطر الحقيقي على النظام وعليك شخصيا ، وليس من يدعون إلى الحرية والديمقراطية والشفافية والحق في التعبير والاختلاف . 

[email protected]
https://www.facebook.com/gamalsoultan1/
twitter: @GamalSultan1

تقييم الموضوع:

استطلاع رأي

هل تؤيد قرار منع بيع الدواجن حية في المحلات؟

  • ظهر

    11:45 ص
  • فجر

    04:41

  • شروق

    06:04

  • ظهر

    11:45

  • عصر

    14:59

  • مغرب

    17:26

  • عشاء

    18:56

من الى